بين العتمة … والضوء البعيد؟!
تقول رواية شائعة ان رجلاً صادف في الليل شخص يبحث عن شيء فقده تحت ضوء الشارع، فإهتم لأمره وسأله عن حاجته ؟ فأجابه بأنه يبحث عن مفتاح منزله الذي أضاعه، فأشفق الآخر عليه وعاونه في مسعاه، وبعد جهد طويل سأله : هل انت متأكد من انّك اضعت مفتاحك هنا ؟ فأجابه " المغفل " كلا، بل اضعته هناك (على مسافة بعيدة) ولكن نظراً لعدم وجود ضوء في تلك الناحية، فإنّي فضلت ان ابحث عنه في هذه الزاوية المنيرة ؟ !
وقد تذكّرنا هذه الرواية ونحن نسمع من الإعلام البرتقالي انّ العماد ميشال عون يتابع مساعي تشكيل الحكومة من " تشيكيا " (مع الدعوة الى متابعة نشاطاته هناك) فيما هو شكّل رأس الحربة في عملية تعطيل التأليف في بيروت لأسباب معظمها إقليمي، وان ارتدت ثوباً برتقالياً بالياً فيه توزير " الصهر الراسب " وفيه الحقيبة السيادية ! وفيه اربعة حقائب لوزراء موارنة ! وفيه حق تسمية الوزراء العونيين ! على الرغم من انّ الدستور اناط هذه العملية بالرئيس المكلّف بالتنسيق مع رئيس الجمهورية الذي من صلاحياته توقيع المراسيم النهائية للتوليفة الحكومية … وإصدارها .
وسفر العماد عون (في هذا الوقت بالذات) جاء تهرّباً من الضغوطات التي كانت قد بدأت تتوالى عليه، من الشارع حيث الناس تريد قيام الحكومة التي تدير البلد وتضبط مساره ومسيرته، ومن القيادات حيث اجبره تمنّي رئيس الجمهوية وإتصاله الهاتفي على موافاة الرئيس المكلّف الى قصر بعبدا والإلتقاء به هناك بمشاركة الرئيس وبحضوره .
وسلاسة الرئيسين وموضوعيتهم هي ما دفع عون الى الإعلان عن متابعة الإتصالات واللقاءات، والتي اظهر الثاني منها (اللقاء في بيت الوسط) ان الصعوبات تزداد وان اسقاط مطلب تعجيزي يسبقه دفع مطلبين بديلين ! بحيث بدا ان الأمور تقف في مواجهة الحائط المسدود الذي لا ناقة للبرتقالي في امره ولا جمل، بإستثناء انّه دفع الى المقدمة في عملية تمويه مقصودة رمت الى إخفاء المطالب الحقيقية واصحابها عن أعين المجتمعين العربي والدولي في آنٍ معاً ؟
والمطالب الحقيقية اولها امر المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وثانيها عودة النفوذ السوري في لبنان وعليه، وثالثها إيراني يتعلّق بالملف النووي والرغبة في زيادة النفوذ في لبنان، والمطالب السورية – الإيرانية ورفضها كليّاً هو ما أعاد الأوضاع في العراق الى مرحلة التفجيرات الدموية المتلاحقة، وهي ما عرقل الحوار الفلسطيني – الفلسطيني، وهي ما يمنع التوصّل الى حلول للأزمة في لبنان بما يسمح بقيام حكومة العهد الأولى (بعد الإنتخابات النيابية) وقبل سفر الرئيس الى الأمم المتحدة، وعضوية لبنان في مجلس الأمن للسنتين الآتيتين المقبلتين .
وإذا كانت اسباب العرقلة اقليمية ومعروفة، فإن السؤال التالي يصير حول متابعة البرتقالي للأوضاع من تشيكيا ؟ وعن ما ذهب يفعله هناك ؟ وفي الأمرين معاً فإن ما هو ثابت يبقى امر ان البرتقالي يحمل ضمانات من حزب الله بعدم السماح بقيام حكومة لا يشارك عون فيها ؟ وهذا ما يطمئن الرجل الى انه يستحيل إصدار مراسيم حكومية لا تلحظ مطالبه، لعلّة ان عدم مشاركة الثنائية الشيعية تجعل الحكومة الموعودة تخالف مقدمة الدستور، وهذا ما لا يمكن للرئيسين ان يفكران بالإقدام عليه .
وما تبقى في امر الحكومة صار معلوماً، فإن الخيارين الباقيين يتضمنان : إما حكومة سياسية يشارك فيها الرئيس بري ويغطيها شيعياً ؟ (وهو امر مستبعد وإن كان غير مستحيل) او حكومة تكنوقراط تتوزّع الحقائب فيها على غير السياسيين وتتولّى إدارة امور البلد ومؤسساته، مع العودة الى طاولة الحوار لمعالجة موضوع السلاح والمواضيع الخلافية الأخرى التي تحتاج الى توافق وتقارب بين المكوّنات المذهبية في لبنان من جهة، وجمهور حزب الله … وحده من جهة ثانية ؟ ! .
ويبقى ان ما وعدنا به إعلام عون لن يزيد عن ان يكون مسعى برتقالي جديد لإسقاط كلّ الحلول المطروحة، وإبقاء الوضع برمّته على " رف الإنتظار الإقليمي " كما اخبرتنا صحيفة الوطن السورية قبل ايام معدودة ؟ .