ما دامت سوريا تعامل سليمان كما عاملت سركيس
هل يكون الحل للأزمة حكومة من غير السياسيين؟
عندما انتخب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية قال البعض ان عهده سيكون شبيها بعهد الرئيس شهاب. وقال بعض آخر انه قد يكون مثل عهد الرئيس شارل حلو او الرئيس سركيس، لكن الواقع دل حتى الآن على ان طريقة تصرف سوريا حيال الرئيس سليمان هي التي ترسم صورة عهده.
فلو لم تكن سوريا زمن الرئيس شهاب في وحدة مع مصر بزعامة الرئيس عبد الناصر، لما كان حظي ذاك العهد بالدعم الذي كان يحتاج اليه خصوصا في الداخل اللبناني، فكان الامن والاستقرار وكانت الخطوات التي بدأت لإقامة دولة القانون والمؤسسات، والجميع يذكرون ان الرئيس شهاب ارسل الضابط احمد الحاج الى دمشق يطلب عقد قمة على الحدود، فلم يوافق المسؤولون السوريون مقترحين ان يتم اللقاء في دمشق، لكن المسؤولين المصريين وافقوا فورا على الاقتراح وعملوا على تحقيقه. وقد ارست تلك القمة الوحيدة التي عقدها الرئيسان اللبناني والمصري في اجتماع الخيمة الشهير على الحدود اللبنانية – السورية في 25 آذار 1959 وبالشكليات التي تم احترامها، معادلة ثابتة شكلت صمام امان للاستقرار في لبنان، وهي احترام سيادة لبنان من جانب القطب العربي الابرز مقابل تفاهم على ان لا تتعارض السياسة الخارجية اللبنانية مع السياسة العربية والدولية التي تنتهجها "الجمهورية العربية المتحدة"، ولكن من غير ان يفرض ذلك على لبنان التخلي عن صداقاته مع العالم الخارجي. ووعد الرئيس عبد الناصر الرئيس شهاب بان يسعى مع الجماعة التي تتعاطف معه في لبنان كي لا تخلق اي مشاكل للحكم والسلطة. وقد انعكس اطمئنان القاهرة اطمئنانا للقوى الاسلامية والقومية في لبنان، إلا ان الرئيس شهاب لن يدخل في احلاف مناقضة لتطلعاتهم وسيلتزم الخط العام المواجه لاسرائيل، فيما ارتاح المسيحيون اللبنانيون الى اجتماع القمة على الحدود لانه عنى ان الجمهورية العربية المتحدة بشخص الرئيس جمال عبد الناصر عبّرت عن احترامها لسيادة لبنان وعن نيتها في اعتماد حدود لتدخلها في شؤونه الداخلية. يضاف الى ذلك انه كانت لدى الرئيس شهاب رؤية عامة لما يجب القيام به من اجل لبنان، ومن اجل الوصول الى المواطنية الحقيقية والدولة القوية العادلة التي لا تتنازعها الحساسيات الطائفية والمناطقية والعشائرية بحيث تتكون هذه الدولة من اجهزة مستقلة خاضعة للمراقبة والمحاسبة وتجري التعيينات فيها وفق معايير الجدارة وخدمة المصلحة العامة بعيدا عن المحسوبيات والمحاصصة التي تجعل المواطن رهينة للزعامات التقليدية والطائفية، والموظف تابعا لها لانها هي من وفر له المنصب، واعتبر ان بناء لبنان مستقل ومستقر ومزدهر يقتضي مراعاة التوازنات القائمة من غير المساومة على المبادئ الوطنية الاساسية.
والرئيس شهاب عندما كان قائدا للجيش راقب كل ما يجري وعرف الكثير عن اللعبة السياسية وقيّم رجال السياسة جميعا فازعجه ما رآه وزرع فيه خوفا كبيرا على مصير البلد ومستقبله. ففي لبنان المصلحة الخاصة والفساد والمراوغة والاقطاع امور مستشرية جدا بحيث بات من الصعب على المرء ايجاد شخص خلوق ونظيف الكف لكي يوليه المسؤولية. لذا لم يتمكن اللبنانيون من بناء وطن بمعنى امة وانشاء دولة سليمة. (مذكرات فؤاد بطرس).
وبعد انهيار الوحدة المصرية – السورية عادت سوريا الى اعتبار لبنان ولدا قاصرا في حاجة الى وصايتها… فكان تدخلها قبل قيام هذه الوحدة واضحا في حوادث 1958 لان سياسة الرئيس شمعون لم تكن مقبولة منها.
وفي عهد الرئيس شارل حلو لقي لبنان في قمة الاسكندرية دعما من الرئيس عبد الناصر. وفي اجتماعات مجلس الدفاع العربي المشترك في مصر طالب المندوب السوري نظرا الى امكان اندلاع حرب، بالسماح بادخال فرقة عسكرية سورية الى مناطق في البقاع للدفاع عن الارض في حال وقوع هجوم اسرائيلي، لكن مصر لم توافق على الطلب السوري متضامنة مع موقف لبنان، واعتبرت ان دخول فرقة عسكرية الى منطقة البقاع لا يفيد عسكريا في شيء.
وعلى اثر اشتباك وقع بين الجيش اللبناني وفدائيين فلسطينيين في منطقة كفركلا في 16 نيسان 1969 دعت احزاب وتيارات يسارية الى الاضراب والتظاهر متهمة الجيش بالعمل على تصفية القضية الفلسطينية. فوقعت صدامات عنيفة بين المتظاهرين وقوى الامن سقط فيها قتلى وجرحى من الطرفين، فأعلن الرئيس رشيد كرامي استقالته معتبرا ان البلد منقسم حول وضع الفدائيين الفلسطينيين وان على اللبنانيين ان يحددوا سياسة موحدة حول هذه المسألة، عندها وقعت البلاد في فراغ حكومي مدة سبعة اشهر. وزاد حدة المأزق التدخل السوري المحرض للشارع الاسلامي على معارضة الحكم والمسهل لمرور المجموعات الفلسطينية والسلاح نحو الحدود الجنوبية اللبنانية، ولم تنته الازمة الوزارية الا بعد توقيع اتفاق القاهرة الذي وضع اللبنانيين بين خيار القبول به او عودة الحرب اللبنانية – الفلسطينية واللبنانية – اللبنانية.
ومع ان الرئيس سليمان فرنجيه كان صديقا للرئيس حافظ الاسد فان عهده لم يخل من خلافات ادت الى اقدام سوريا على اقفال حدودها مع لبنان عند المصنع.
وعندما استؤنفت المعارك العسكرية والمواجهات السياسية وقّع 66 نائبا عريضة يطلبون فيها استقالة الرئيس فرنجيه. وفي محاولة لتخفيف الاحتقان جرى التفاهم بين واشنطن ودمشق وسائر القوى اللبنانية على اجراء انتخابات رئاسية مسبقة، فيما كانت القوى الفلسطينية واليسارية تضغط بقوة على المناطق المسيحية مطلقة القذائف والتصريحات النارية التي تؤكد ان "طريق القدس تمر بجونيه"، فما كان من الرئيس فرنجيه بعد التشاور مع عدد من الفاعليات السياسية وكي لا يتحمل وحده المسؤولية، الا ان وافق على دخول الجيش السوري الى لبنان.
وعند انتخاب الياس سركيس رئيسا للجمهورية تبلغ دعم سوريا له ولـ"الجبهة اللبنانية" الا انها في نزاع مفتوح ضد كمال جنبلاط والفلسطينيين وانها تحذر من كل تدخل عربي يرمي الى الحد من الدور السوري في لبنان…
وقرر الرئيس سركيس القيام باول زيارة لدمشق معتبرا ان نتائج هذه الزيارة يتوقف عليها مستقبل رئاسته طوال اعوامها الستة، "لان سوريا مفتاح الحل وحافظ الاسد سيد اللعبة"… وعندما تلقى دعوة لزيارة القاهرة خشي ان تستاء سوريا من استجابتها، فارتأى ان يسافر من مطار دمشق بعد لقاء الاسد للتأكيد له حياد لبنان في النزاع الصامت بين دمشق والقاهرة…
بعدها توجه الرئيس سركيس لتشكيل حكومة اتحاد وطني تضم كل الاطراف السياسية اللبنانية باعتبار ان لا حل للازمة اللبنانية من غير اجتماع كل اطياف المجتمع اللبناني، وان كان دون ذلك عقبة كبيرة هي سوريا التي كانت منغمسة في نزاع دموي قاس مع العديد من القوى اليسارية والفلسطينية. واستمرت عقدة التأليف بعد مرور اكثر من شهرين، لان سوريا لا تقبل تمثيل "الحركة الوطنية" فيها وهي غير متحمسة لفكرة تشكيل حكومة من غير السياسيين يغيب عنها ممثلون عن "الجبهة اللبنانية"… فما اشبه الامس باليوم وان اختلفت الاسباب.
يقول الوزير السابق فؤاد بطرس في مذكراته انه زار دمشق لتسهيل تشكيل حكومة اتحاد وطني تشارك فيها كل القوى السياسية الاساسية في البلاد ويكون كمال جنبلاط من اركانها، فطلب منه ان يكون الوزير الدرزي الاول ارسلانيا والثاني من آل حماده فأجاب الوزير بطرس ان هذا مستحيل لكن الرئيس الاسد اصر على موقفه فقال له بطرس: "يبدو انكم تريدون ان تقضوا على جنبلاط كزعيم حزب وكزعيم درزي نهائيا". ورد الاسد بالقول: "لا نقضي عليه جسديا بل سياسيا، اي على زعامته"… واردف: "نحن لا نمارس وصاية ولكن هذا موقفنا، وهذه مصلحة لبنان، واذا لم تقتنعوا بها فستنشب ثورة عندكم مرة اخرى وتقضي عليكم نهائيا. فلا يمكن ان تفسحوا في المجال امام الذين لا يزرعون الا التخريب"… وتابع موجها كلامه الى الوزير بطرس: "ممَ تخافون، آن الاوان لكي تحكموا. انتم تريدون ان تقفوا في الوسط وهذا مستحيل لانه ليس هناك من وسط. ثمة اناس معكم واناس ضدكم وضدنا، لذا لا يمكنكم ان تعاملوا الفريقين على قدم المساواة خصوصا انهم لا يمثلون شيئا واننا موجودون ومستعدون طبعا لمساندتكم".
وفي اجتماع الوزير بطرس مع نظيره عبد الحليم خدام قال له الاخير: "انكم تعالجون الموضوع بروح شهابية على قاعدة التوازن بين بيار الجميل وكمال جنبلاط.
وهذه الذهنية باتت قديمة ولا تصح اليوم. جنبلاط كان وراء كل شيء وانهزم ولم يعد شيئا في السياسة اللبنانية. هناك غالب ومغلوب ويجب ان يعامل معاملة المهزوم(…)"، وتابع: "ان جنبلاط اهان الرئيس حافظ الاسد وحاول قلب الحكم في سوريا لكنه هزم ويجب ان يعامل على هذا الاساس، ولن نقبل ابدا ان نحييه"…
وعندما نقل الوزير بطرس انطباعاته عن زيارته دمشق الى الرئيس سركيس بدا الاستياء كبيرا على وجهه ولم يجد ما يقوله سوى "فهمت. ستكون الحكومة غير سياسية"، واخذ على الفور ورقة وكتب عليها اسماء الوزراء الثمانية الذي سيؤلفون الحكومة الاولى في عهده وهم: سليم الحص، فريد روفايل، ميشال ضوميط، امين البزري، صلاح سلمان، اسعد رزق، ابرهيم شعيتو وسياسي واحد هو فؤاد بطرس.
وكما استقبلت سوريا عهد الرئيس سركيس بعرقلة تشكيل حكومة اتحاد وطني لانها اصرت على عدم تمثيل "الحركة الوطنية" فيها، وتحديدا كمال جنبلاط، فاضطر الرئيس سركيس الى استخدام صلاحياته الدستورية التي كان لا يزال يتمتع بها، وشكل حكومة من غير السياسيين، فانها ودعت ولاية سركيس بمحاولة تغيير رئيس الحكومة شفيق الوزان وذلك ردا على موقفه في مؤتمر بيت الدين لوزراء الخارجية العرب اذ طرح فيه جدولا زمنيا لانسحاب القوات السورية من لبنان… لكن الرئيس سركيس ابلغ الى سوريا انه سيعيد تكليف شفيق الوزان تشكيل حكومة جديدة…
والسؤال المطروح بعد سرد موجز لهذه المراحل هو: هل يواجه تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في عهد الرئيس سليمان ما واجهه تشكيل الحكومة الاولى في عهد الرئيس سركيس بسبب موقف سوريا عبر حلفائها في لبنان، ومعها حاليا ايران، وان اختلفت الظروف والعوامل الداخلية والخارجية فلا تنتهي الخلافات حول تشكيل حكومة وحدة وطنية الا بتشكيل حكومة من غير السياسيين كما فعل الرئيس سركيس وان كانت صلاحيات الرئاسة قد تقلصت بعد اتفاق الطائف، ويكون عهد الرئيس سليمان شبيها بعهد الرئيس شارل حلو او عهد الرئيس سركيس، لان جعله مثل عهد الرئيس شهاب يحتاج الى وجود زعيم عربي مثل الرئيس عبد الناصر في تعامله مع لبنان.