#adsense

مصطلحات “الأمر القاهر”

حجم الخط

مصطلحات "الأمر القاهر"

غالباً ما تستنبت كل أزمة سياسية مصطلحات طارئة على الخطاب السياسي وترفده بما يشبه اللازمة الكلامية التي تصبح من علامات الازمة خصوصا متى استطالت واستنقعت.
ولم تشذ الازمة الحكومية الراهنة عن هذا التقليد، بدليل ان ثمة ثلاثة مصطلحات – مفاتيح على الاقل تصح كنماذج لـ"اناشيد خشبية" ترددها ألسنة غلاة المتحمسين من الساسة دونما اي عناء في التدقيق ما دامت الازمة لا تترك لهم سوى اللهو الكلامي لملء رتابة الانتظار الممل.

يكثر الكلام مثلا مع استعمال كل ادوات التحذير والنذير وحتى التهويل، عن "حكومة امر واقع" كأنها المرادف لانقلاب مسلح او لفعل شنيع من شأنه وضع البلاد على مشارف انفجار.

يطرح هذا المصطلح على سبيل ترسيخ عرف جديد هو الخطر بعينه، لترهيب صاحب الصلاحية الدستورية من استعمال صلاحيته. اذا تراءى للرئيس المكلف ان يقدم تصورا للحكومة، فهو "امر واقع" خارج على "التوافقية". بذلك تكون "التوافقية" هي الدستور الحاكم القسري المتعالي على الدستور المكتوب وكل قفز فوق هذا "الامر القاهر" يصبح "امرا واقعا" عدوانيا على التوافقية والميثاقية. اما الالتزامات الدستورية بل الواجبات الدستورية التي تفرض على الرئيس المكلف تشكيل حكومته وعرضها على رئيس الجمهورية فتضحي في معرض اطلاق هذا المصطلح الانقلاب الموصوف في ذاته.

يتصاعد على مسار آخر تهويل من "حكومة اكثرية" كأنها الزنى الوطني او الخيانة التوافقية بعينها. ومع ان التسليم "بحكومة وحدة وطنية" ولد في ليلة الانتخابات النيابية ونتائجها ولم ينتظر صباح اليوم التالي، يجري اسقاط هذه الحقيقة لرفع لازمة اخرى يُراد منها مسح كل البقايا المتهالكة لنظام ديموقراطي سوي واصول تنازع البقاء بشق النفس، لئلا يبقى للدستور بعض مهابة او القليل من التحفيز لمن آمنوا يوما بان لبنان يتطور نحو نظام ديموقراطي طبيعي يعيد الاعتبار الى الحياة الدستورية ويوقف مسار انحدارها وضربها ضربا منهجيا.

على مسار ثالث هو الاكثر حداثة ولا يزال في مطالعه كونه مرتبطا بآخر خلجات المخاض الحكومي الصعب، استحضر مصطلح مشؤوم لعين في ذاكرة المسيحيين خصوصا هو مصطلح "حرب الالغاء" وجرى رميه في "سوق" التداول اليومي من باب "لهفة" الحلفاء على العماد ميشال عون بذريعة ان مسيحيي 14 آذار يشنون عليه "حرب الغاء" في مواجهة شروطه ومطالبه. بطبيعة الحال يصعب اسقاط اي مصطلح ودي على الوضع القائم بين العماد عون والقادة المسيحيين في قوى الغالبية. اما ان يستحضر مصطلح حربي هو الأثقل على الاطلاق على الذاكرة المسيحية في استحقاق يفترض انه يمهد لـ"زفّة" توافقية كاسحة ماسحة لم تقم اعتبارا حتى للدستور نفسه، فهو امر يتجاوز التناقض الفاضح بين دعاة التوافقية والضرب على التناقضات والحساسيات لدى فئة معينة بل ونبش ذاكرتها التي لم تشف تماما بعد من اعتى زلزال اصابها في تاريخها. ثم ان المغالطة الفاضحة في هذه الاستعارة غير الموفقة ابدا، هي ان المدافعين عن العماد عون طاشت سهامهم ولم ينتبهوا الى انهم استعاروا خطأ اصطلاح "القوات اللبنانية" في تسمية تلك الحرب المشؤومة التي تفجرت بينها وبين العماد عون، علما ان العماد عون اطلق آنذاك على تلك الحرب اسم "حرب توحيد البندقية". ومن دون استرسال وتذكير بما لم تجف ذكراه بعد، لا "الإلغاء" حصل ولا "التوحيد" ايضا، ولم يحصل سوى ما يعرف العارفون من اصحاب اللهفة او الغيارى على التوافقية، وما يؤمل ان يكون المسيحيون وكذلك المسلمون قد اتعظوا به لمرة اخيرة وقلبوا صفحته الى لاعودة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل