
ناظر المدرسة الذي صار مليارديراً وعاد فقيراً مديوناً.. صلاح عزّ الدين: الرجل الذي أفلس الطائفة
ذكرت صحيفة "الراي" الكويتية أن "حزب الله" لم يشأ عبر اتصال الصحيفة بالجهات الاعلامية فيه، التعليق على هذه قضية افلاس صلاح عز الدين وتفاصيلها، رافضاً الرد على ما يكتب يومياً عن علاقة الحزب بهذا الموضوع.
ويروي أقرباء مقرّبون جداً من صلاح عزّ الدين، وأحدهم كان يعمل معه في شكل مباشر ويومي، إنّ الموقوف كان قريباً جداً من قيادييه في حزب الله، الأمر الذي كان يثير غيرة مسؤولين كبار ومعروفين في الحزب، والكلام للقريب عائليا ووظيفياً.
ويكشف هذا القريب أنّ «القياديين حين علموا بضائقة عز الدين الكبيرة، قبل اسابيع من توقيفه طلبوا من القياديين التوجه بالدعاء إلى الله ليفرج همّه ويهوّن عليه مصائبه».
ويكشف هذا القريب أنّ عدداً من قيادات الصف الأول في «حزب الله» وصلت بهم «الغيرة» من عزّ الدين إلى «الفرح» الكبير بـ«سقوطه». رغم أن العشرات، وربما المئات، من هذه القيادات، وظفت ملايين الدولارات في شركاته، من نواب ووزراء وصولا إلى الأفراد العاديين.
ويضيف أنّ قياديين في الحزب قالوا لزوّار قصدوهم طالبين «فهم» ما جرى، و«التوّسط» لقريبهم الذي كان يغمرهم بلطفه وأمواله وعطاءاته ان «القضية قضيته الشخصية». لكن حين سئلوا عن إمكان تعويض الحزب على من أفلسوا، كما عوّض على من دمّرت بيوتهم وأرزاقهم في حرب تموز 2006، فهم سعاة الخير أنّ «لا إمكان لطلب أموال من إيران هذه الأيام، بسبب الظروف السياسية الصعبة التي يمرّ بها النظام الإيراني نتيجة الخلافات في الشارع بين المحافظين والإصلاحيين».
أما في الشارع الشيعي فإنّ «الخبر» تدرّج صعودا في تراتبية الاهتمامات اليومية ومازال. وفي حين قُدّرت الخسائر الإجمالية بأكثر من مليار دولار في نهاية آب الماضي، مع تقدير عدد المتضررين بأكثر من عشرة آلاف عائلة، فإنّ هذه الأرقام بدأت تتراجع مع تقدّم سير التحقيقات، لترسو على أقلّ من 500 اسم… حتى الآن، خسرت ما يوازي نصف مليار دولار.
وغالبية المتضررين هم من قيادات «حزب الله» ومن مسؤوليه، والباقون من القريبين منه أو من أنصاره، على ما يقول مقرّبون من عزّ الدين، ما يؤشّر إلى أزمة عميقة قد يعانيها الحزب في الأيام الآتية: «الحزب مفلّس مثل عزّ الدين هاليومين»، يقول قريب الموقوف.
ولأنّ الأمور على هذا المنوال، فإنّ انتشار الخبر وتفاعله يحتّل حيّزه الأكبر في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي بعض قرى الجنوب التي تحتوي على نسب أعلى ممن وظّفوا أموالهم لدى عزّ الدين. وهو «حديث الساعة» في معظم منازل الضاحية والجنوب. إذ تكاد لا تخلو قرية من مستثمر أمواله لديه.
وكانت ردّات الفعل الأولى بدأت بالنكران، اذ رفض كثيرون تصديق أنّ عزّ الدين، الذي سمّاه البعض «حريري الشيعة»، يمكن أن يفلس هو الذي لا يمرّ يوم من دون أن يسمع المطّلعون على أخباره وعطاءاته أنّه ساعد هذا المحتاج أو أطعم ذلك الفقير، أو كسا هذا المسكين، أو داوى ذاك المريض.
وبعد أيام، وعقب انتشار الاشاعات كالنار في الهشيم، بدأ البعض يتحدثون عن إمكان أن يكون «الحاج صلاح» محتالا سرق أموالهم كما فعل كثيرون من قبله. لكن المقرّبين منه ظلّوا «متأكدين» من أنّه «رجل صادق وإفلاسه ليس احتياليا».
ولاحقاً، بدأ عدد كبير من الشيعة يتساءلون: «من أين للنواب والوزراء والقيادات في حزب الله كلّ هذه الأموال؟» ومن الأسئلة أيضاً: «كيف لنائب لا يتعدّى راتبه سبعة آلاف دولار شهريا أن يوظّف مئات آلاف الدولارات غير ما احتفظ به وغير أملاكه غير المنقولة من بيوت في الضاحية والجنوب ومن سيارات وغيرها؟».
أسئلة كثيرة فتحها إفلاس عزّ الدين، الذي يقال إنّه كان وراء إحداث «نقلة نوعية» في «اللايفستايل» في الضاحية تحديدا. فقريبون منه يؤكدون أنّه لم يبدأ في استثمار أموال من آخرين غير شركائه إلا قبل سنوات: «ربما قبل حرب تموزأو بعدها».
فقبل العام 2006 كان عزّ الدين قد لاح في سماء الطائفة الشيعية اللبنانية رجلا أثرى بطريقة شبه مجهولة. واللازمة التي تتردّد على ألسنة المحيطين به والمستثمرين لديه أنّه كان «يتاجر بالحديد والنفط والألماس والذهب» وأنّ « الأزمة العالمية وانخفاض أسعار الحديد والنفط ساهما في إفلاسه». لكن لا شيء واضحا.
المؤكّد أنّ العائدات التي كان يوزّعها على المستثمرين لديه ساهمت في نشوء «طبقة جديدة» من الأغنياء، أو ربما «طبقة وسطى جديدة»، في أوساط الشيعة. وهي طبقة بدأت ترتاد المطاعم والمقاهي بدل السهر في المنازل، وصارت السيارات الحديثة الطراز شغلها الشاغل، وبات لكلّ أسرة أكثر من سيارة و«رانج»، يقودها الأولاد والوالدة وليس الوالد فقط. كما انها طبقة صار ينظر إليها عدد كبير من أبناء الضاحية نظرة: «من أين لك هذا؟».
ونقلت "الراي" عن أحد المستثمرين من أبناء مدينة صور قوله انّ «معظم المستثمرين هم من بلدات يارون والعباسية ومعروب ودير قانون النهر وطورا ومن سكان الضاحية الجنوبية». وفي هذا الإطار اعلن مستثمر آخر أنّ عزّ الدين كان «يعطي المستثمرين قبل حرب تموز 2006 فوائد لا تتعدى نسبتها 25 في المئة من الأرباح، لكنّ هذه الفوائد ارتفعت ووصلت إلى أكثر من 70 في المئة في العامين 2006 و2007 مع ارتفاع أسعار النفط والحديد. ثم تراجعت هذه النسبة إلى أقل من 50 في المئة في العام 2008 بعد الأزمة المالية العالمية».
هذا الكلام يؤكده مستثمر آخر، يروي أنّ عزّ الدين «تأخر خلال العام الماضي أكثر من مرة في سداد الفوائد، وكان التأخير الأكبر الشهر الماضي، وحينها بدأت الهمس يتحوّل إلى كلام»، وهو في طريقه ليتحوّل إلى صراخ في الآتي من الأيام مع تسارع وتيرة التحقيقات القضائية.
وبات القاصي والداني يعلمان أن بلدة يارون الجنوبية هي الأكثر تضررا، ويمكن تشبيهها بـ«بنت جبيل» في حرب تموز 2006 إذ «عادت أكثر من 100 سنة إلى الوراء»، على ما يقول أهلها. هم الذين تقدّر خسائرهم الإجمالية بأكثر من 150 مليون دولار. والمعروف أن أبناء هذه القرية هم من أغنى أغنياء الجنوب كون الجزء الأكبر منهم من المغتربين الناجحين في أعمالهم في الخارج.
ويتداول أهل الجنوب حكاية مزارعة ستينية أودعت قبل أسبوعين «تحويشة عمرها» لدى أحد مكاتب عزّ الدين، لتكتشف بعد أيام أنّه أعلن إفلاسه، فضاع «شقى العمر» بين ليلة وضحاها.
لكنّ معظم المستثمرين حصّلوا، من الأرباح، أكثر من نصف ما دفعوه. وبالتالي عدد كبير ممن خسروا مئة ألف دولار على سبيل المثال، حصلوا على خمسين أو ستين ألفا من الأرباح، فتكون خسائرهم أقلّ بكثير مما يدّعون.
وتذهب تقديرات بعض العارفين بـ«حجم» أعمال عزّ الدين إلى أنّ تداعيات إفلاسه أصابت نحو ثلاثين في المئة من شيعة لبنان. والإصابات البالغة هذه تزيد أضرارها عن أضرار حرب يوليو، لجهة الكمّ والنوع. فهي أعطاب غير قابلة للإصلاح، حيث أنّ لا من يعوّض ولا من يحزنون.
لا أحد يعرف أين بدأ عز الدين وكيف بدأ، وكيف تحوّل ناظر المدرسة إلى ملياردير. الرواية التي انتشرت تفيد أنّه بدأ في نهاية الثمانينات من القرن الماضي في إدارة حملة للحج والعمرة، ثم انفصل عن شريكه وأسس حملة مستقلة، هي «حملة باب السلام»، التي بلغت نجاحا كبيراً.
قبلها كان «الحاج صلاح»، المولود العام 1962 مجرّد ناظر مدرسة، هو الذي يحمل إجازة في العلوم السياسية، والذي نشأ كأيّ شاب شيعي نموذجيّ عاش السبعينات والثمانينات، فكان قريباً من حركة «أمل» ومن أجواء «حزب الله». بعدها ترك المدرسة وتفرّغ لأعماله التي راحت تكبر وتزدهر.
ثم راح يفتتح مصانع للحديد في أوروبا، ويتاجر بالألماس والذهب عبر أفريقيا، ويفتتح مكاتب للمضاربة بالبورصة في عواصم أساسية، وغيرها من المشاريع المجهولة، لكن تلك التي تزيد أرباحها بقدر ما تزيد إمكانات الخسارة فيها.
لم يثرِ عزّ الدين قبل العام 2000 يمعنى أنّ ثروته لم «تطف» على من حوله قبل هذا العام. فبعد تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي بدأ صيته يذيع كفاعل خير وحاتم طيّ.
ولم يبدأ في استثمار أموال الآخرين إلا قبيل حرب تموز 2006 وفي حدود ذلك التاريخ صار يوزع المساعدات الغذائية والمالية على المرضى في قريته وبدأ في تأمين فرص عمل للشبان العاطلين عن العمل وراح يوزع الأموال… إذ تعيش عشرات العائلات على مساعداته الشهرية في معروب.
ويقال إنّه كان، في حال وفاة فقير في القرية، يتكفل بنفقات الدفن والعزاء. وقد بنى ملعبا لكرة القدم في معروب بمواصفات حديثة قبل عامين، وحسينية قبل أربعة اعوام. وكان يساعد من يقصدونه، حتى قيل إنه يحمل حقيبة مليئة بالأموال يوزع منها المال على المحتاجين يومياً…
كلّ ذلك إلى أن سمّاه بعض الظرفاء بـ «ميدوف اللبناني»، نسبة الى رجل الاعمال اليهودي الاميركي الذي قام باكبر عملية نصب وخداع في تاريخ البشرية.
يبقى أنّ عزّ الدين متزوّج من ابنة شقيقة القيادي في «حزب الله» هاشم صفي الدين، القريب من الأمين العام لـ «حزب الله» على ما يقول أقرباؤه من دون تأكيد من الحزب، علماً ان صفيّ الدين يوصف بأنه أقوى المرشّحين لخلافة نصر الله.
وكان صفيّ الدين أطلق الموقف الأكثر قساوة تجاه عز الدين قبل يومين، حين قال إنّ «حزب الله تعرّض للخداع من قبله طوال 25 عاماً»، كلام فسّره البعض بأنّه «تبرّؤ» من عزّ الدين، حتى لا ينصب جام الغضب الشعبي على «حزب الله».