الباطل تحت مجهر الحق
المحامي جورج ابو صعب
اننا في زمن اللا مفهوم والا معقول والا مقبول والا منطق والا قانون والا دستور والا وطنية والا حياء، واكاد اقول في زمن الكفر المباح وجهنم العهر والخزي والعار – زمن لم يعد في الشأن العام والقضايا الوطنية والمصيرية في لبنان من شيء يسير بحسب قوانين الطبيعة وبحسب ما يجب ان يكون وما هو ليكون وما خلق ليكون – حسبنا ما ردده يوما القديس بولس الرسول في رسالته للعبرانيين: "… فكل ارض شربت ما نزل عليها من المطر مرارا واطلعت نباتا صالحا للذين فلحت من اجلهم – نالت بركة من الله – ولكنها اذا اخرجت شوكا وعشبا ضارا فهي مرفوضة تهددها اللعنة ويكون عاقبتها الحريق …"(رسالة الى العبرانيين – 6/7-8) فهل بلغت بنا سياسة بعضهم ارض الشوك والعشب الضار؟
فالمنطق في لبنان بات عملة نادرة لدى بعضهم لا بل زخرفة للعقل البشري لان للبعض منطقه الخاص – ويا ليت الامور تقف عند هذا الحد – ولكن هذا البعض يحاول بالترهيب والترغيب يوميا فرض منطقه على الاخرين – فيصبح منطق الاخرين لا منطقياً بنظر هذا البعض، ويغضب ان وصف منطقه بأنه خارج المنطق لانه هو ومنطقه خارج العقل والدستور والقانون ومفهوم الدولة.
ففي لبنان اليوم ولدى بعض رموز المعارضة والاقلية منطق خاص به ومفهوم خاص به: فله مفهومه الخاص ببناء الدولة – فبالنسبة اليه تبنى الدولة من جيشين واحد نظامي والاخر مقاومة.
وبالنسبة اليه هناك سلطتان: سلطة المؤسسات الدستورية المحكومة بمبدأ لطالما استخدم انتقائيا من المعارضة في غير موضعه – الا وهو مبدأ ان لا سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك (الفقرة "ي" من مقدمة الدستور) وسلطة الامر الواقع المكون من مربعات امنية ومؤسسات سلطوية واستخبارية تعزز الدويلة ضمن الدولة.
كما بالنسبة اليه لا يحق للدولة اللبنانية الشرعية التفاوض مع اسرائيل من اجل تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقسم من ضيعة الغجر وقف الاعتداء على المياه والجو – فيما بالنسبة اليه لا مشكلة في التفاوض مع اسرائيل من أجل تبادل الاسرى وجثثهم.
كما بالنسبة اليه هناك دستور ونصوص دستورية يستوجب احترامها كما في حالة المشاركة بالثلثين في القرارات الاربعة عشر في مجلس الوزراء – فيما ليس هناك من دستور في حرمان الرئيس المكلف من تعيين من يراه وزيرا بمعاونة رئيس الجمهورية.
وبالنسبة اليه لا يجوز توزير الراسبين في الانتخابات النيابية لقطع الطريق امام توزير شخصيات مشهود لها بنظافة الكف والكفاءات العالية عام 2005، فيما لا يمكن تأليف حكومة اذا لم يوزر الصهر وهو راسب في الانتخابات النيابية في 7 حزيران – ولكن ولعيون الصهر فليبقى لبنان بلا حكومة.
وبالنسبة اليه يطالب قبل الانتخابات النيابية باجراء انتخابات مبكرة ويلتزم بالقبول بنتائجها على قاعدة ان من ينجح فيها فليحكم – وعند حصول الانتخابات وانتصار الاكثرية وثورة الارز والتيار السيادي تصبح الاكثرية اكثريات ويصبح المطلوب اعتماد العددية والاكثرية الشعبية وتصبح كل الوسائل متاحة لضرب نتائج الانتخابات وافراغها من مضامينها ومفاعيلها حتى طرح نظريات دستورية وفقهية جديدة مبتكرة منها النسبية الحكومية في توزيع الحقائب والحصص الوزارية.
وبالنسبة اليه لا بد من استرجاع حقوق المسيحيين وتقوية رئاسة الجمهورية وصلاحياتها وفي الوقت عينه اعتبار ان الرئيس لا يحتاج الى حقائب وزارية سيادية وان الرئيس لا دور له في الحكم من خلال وزراء وحقائب سيادية.
وبالنسبة اليه يطالب الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة وتحمل مسؤولياته وفي الوقت عينه يأتينا بعضهم ليهدد بـ7 ايار جديدة ان تكررت 5 ايار جديدة في التأليف – ويعتصم البعض من هذا البعض بالصمت والصيام الرمضاني لانه لا يجرأ على بق البحصة واحراج حليف حليفه.
وبالنسبة اليه وبما ان رئيس الجمهورية والرئيس المكلف تعهدا بعدم تشكيل الا حكومة ائتلاف وطني وعدم التوقيع الا على مراسيم تشكيلة حكومية تراعي الوحدة الوطنية والمشاركة – فقد اصبح من حقه ان يفرض على الاكثرية شروطه وان يتشبث بها ولو ادى ذلك الى خراب البصرة ليذكرنا بقول الشاعر المتنبي: "ان انت اكرمت الكريم ملكته وانت اكرمت اللئيم تمرد".
وبالنسبة اليه لا تتدخل القوى الاقليمية في الوضع الداخلي اللبناني ولكن تلك القوى تفتح ابوابها امام تدفق السلاح وامام كل من يريد زيارتها من زعماء وسياسيين غير ابهة بالعلاقات الديبلوماسية ولا بالاصول بين الدول في التعاطي بين دولة ودولة وغير ابهة اصلا بسيادة لبنانية ولا بدولة لبنانية وهي تمد فريق لبناني بالسلاح المدمر والترسانة الكيمائية للصواريخ الى جانب الدعم المطلق بالمال والعتاد والسياسة– تحت شعارات "الطوق" و"الممانعة" و"مقاومة اسرائيل" و"منع اسرائيل من الاعتداء على ايران الى ما هنالك من استراتيجيات تتجاوز ببعيد مصالح لبنان العليا كدولة وشعب ومؤسسات ذات سيادة وقرار حر وسلاح شرعي … فضلا عن اقراره الصريح بالتدخل الخارجي وانتظار كلمة السر قابلا – خانعا – عاجزا – منتظرا ما يقرره السين – سين والسين – ميم والسين – عين ولا ندري اي حروف ابجدية اخرى بعد …
فهكذا واقع مرير ومنحط كيف يمكننا اعبتاره صحيا ؟ وكيف يمكننا قبوله وقبول الاستمرار فيه؟
فالحق اليوم مهدد في بلادنا ومعه مهددة قوانين الطبيعة والحراك السياسي والوطني واسس قيام الدولة القوية والقادرة – لان قوى الظلمات والضلال تأسر شعبا ودولة كاملين رهينيتن لحسابات اقليمية – وتسير بهما الى حيث لا ندري ولكن بالتأكيد الى حيث لا دولة ولا قيامة لدولة من بعده – اننا امام استحقاقات مصيرية داهمة في المنطقة لا سيما مع حكومة اسرائيلية متطرفة تعلن على الملاء انها تود شطب حقوق الفلسطينيين واسم فلسطين من الخريطة ومع دخول المفاوضات النووية بين ايران والغرب مفترق حاسم هذا الشهر – ومع عودة الهجوم المنسق والمركز على المحكمة الدولية من قبل حلفاء النظام السوري في لبنان – فقوى الاقلية تدعي مقاومة التوطين وفي الوقت عينه تسمح للسلاح الفلسطيني من خارج المخيمات وبناء القواعد العسكرية على الارض اللبنانية من دون اذن ولا ترخيص من الدولة اللبنانية ومن دون اي تنسيق معها – وقد بقيت قرارات طاولة الحوار الوطني حبرا على ورق مثلها مثل الاستراتيجية الدفاعية – ما يؤكد ويفسر ان المعارضة – الاقلية – تقوم بتعليق الوضع اللبناني في الهواء بانتظار امر ما لا بل بانتظار مصير الملف النووي الايراني وملف الانفتاح الغربي والعربي الضبابي على سوريا .
لذلك المطلوب مرة جديدة من الرئيس المكلف وبالتنسيق مع رئيس الجمهورية اصدار التشكيلة الحكومية التي ترضي الضمير والمصالح الوطنية العليا باسرع وقت وليتحمل من يرفضها المسؤولية – فلبنان واللبنانيون لا يستطيعون تحمل المزيد ولان الباطل الفاجر ومهما زاد فجوره لا بد ان يغلبه الحق في نهاية المطاف مرددين مع الشاعر:
" اذا المرء لا يرعاك الا تكلفا فدعه ولا تكثر عليه التأسفا
فما كل من تهواه يهواك قلبه ولا كل من صافيته لك قد صفا".