خطوة الحريري أخرجت الأزمة من المراوحة وأحرجت المعارضة
الخيار الأرجح لسليمان محاولة تفكيك عُقَد التشكيلة
تحرك ملف تأليف الحكومة وانتقلت المناقشة من المراوحة في المطالب الى مكان آخر. وتحولت الانظار الى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في موضوع تأليف الحكومة بعدما قدم اليه الرئيس المكلف سعد الحريري التشكيلة الحكومية التي انتهى اليها نتيجة مشاورات اجراها مع كل الافرقاء خلال ما يقارب ثلاثة اشهر. والمرتقب ان ينشغل رئيس الجمهورية في الايام المقبلة بدرس التشكيلة الحكومية وقد باتت من مسؤوليته المباشرة، وهو من يتطلع اليه الجميع لتقديم الرد المناسب من وجهة نظر دستورية على الاقل، وعلى قاعدة خيارات ثلاثة تبدو متاحة امامه، وهي:
اما ان يوقعها، على رغم انه خيار مستبعد، ما دام قد اعلن عدم قبوله بحكومة لا تحظى بموافقة الجميع.
واما يحاول تفكيك عقدها، وهذا هو الخيار الاكثر ترجيحاً، من خلال اتصالات يجريها مع الافرقاء المعنيين وخصوصا مع المعارضة والعماد ميشال عون تحديدا باعتبار ان عون سيرفض حكما اي عرض، حتى وان يكن منصفا له من اجل تحسين السعي الى تحسين موقعه، ما لم يتدخل معه حلفاؤه من اجل تخفيف حدة هذه الشروط في حال وردت مؤشرات الى حلحلة اقليمية يحاول بعضهم استشفافها ومحاولة البناء عليها وذلك بالاستناد الى الضغط الذي تواجهه سوريا في موضوع العراق، وهو ضغط مؤثر وربما يرتب انشغالات واتصالات من نوع آخر، وخصوصا انه قد يكون مثقلا عليها نتيجة العمل على جبهتين معا اي العراق ولبنان وفي وقت واحد، على ما يرى هؤلاء، في حين يرى آخرون النقيض، تماما.
اما الخيار الثالث فهو ان يرفض سليمان التشكيلة فيضطر الرئيس المكلف عندئذ الى الاعتذار تحت طائلة اعادة اجراء استشارات نيابية ملزمة ستؤدي على الارجح الى اعادة تكليف الحريري اذا كانت الاجواء توحي التحدي ومحاولة تسجيل انتصار بالسعي الى اخراج الحريري كزعيم للاكثرية النيابية من رئاسة الحكومة.
فمن جهة برز على نحو واضح ان المعارضة "استحقت" الخطوة التي اقدم عليها الحريري بإحداثه توازنا في اللعبة السياسية الداخلية من حيث انه لم يعد يقبل المراوحة والتعطيل، وهو من يؤلف الحكومة ويقدمها الى رئيس الجمهورية. وقد حظي بدعم معلن وصريح من رؤساء حكومة سابقين كالرؤساء نجيب ميقاتي وسليم الحص وعمر كرامي، على رغم ان الاخيرين اقرب الى المعارضة منهما الى الاكثرية نتيجة لعدم قدرة اي رئيس حكومة على التساهل في موضوع الصلاحيات الدستورية لرئيس الحكومة المكلف، او القبول بأي تجاوز لها من خلال الشروط التي تفرضها المعارضة تقيد هذه الصلاحيات او تضعف موقع رئيس الحكومة، مما يجعل مقاربة الموضوع على قدر كبير من الحساسية الداخلية اذا اخذت الامور في شكلياتها وفي اي رد فعل اساسي، فضلا عن ان ثمة احراجا يتصل بدحض الكثير من الشعارات المستخدمة التي توظفها المعارضة سياسيا حول النية في استبعاد طرف عن التشكيلة الحكومية او استهدافه. فالكرة اصبحت في ملعب المعارضة بمقدار ما اصبحت في ملعب رئيس الجمهورية، مع فارق انها ستتحمل مجددا تبعة العرقلة وتصبح مكشوفة اكثر لهذه الجهة، والكثير من المبررات التي يمكن ان تقدمها افرغتها التشكيلة الحكومية من مضمونها من خلال مراعاتها التوزيع الطائفي والحصص وحتى الحقائب، بحيث اعطيت وزارات جيدة للعماد عون وان لم تكن بحسب شروطه.
وكانت المعارضة استنفرت في اليومين الماضيين للحؤول دون اقدام الرئيس المكلف على تقديم التشكيلة الى سليمان، محذّرة من انها لن تبدي تساهلا، معتبرة خطوة الحريري من دون توافق معها، وان بسبب احد افرقائها من دون الآخرين، بمثابة تكريس لمنطق الغالب والمغلوب، اقله وفق المقاييس او المعايير التي تنظر فيها الى اللعبة السياسية الداخلية. اذ ان رد الفعل الاولي والفوري غير المعلن من اقطاب في المعارضة على التشكيلة الحكومية، وفق ما نقل متصلون بهم – علما ان هذا الموقف يمكن ان يتبدل لاحقا – كان القفز على نحو سريع لدى علمهم بالزيارة التي قام بها الحريري لرئيس الجمهورية في بيت الدين، الى الرفض الحاسم للتشكيلة الحكومية من دون ان يسعوا اولا الى معرفة مضمونها، وذلك في تجاوز واضح لضرورة معرفة الاسماء والحقائب وما اذا كانت يمكن ان ترضي المعارضة كلا ام لا او بعض افرقائها، قبل ان تبدي هذه اي رد فعل منها سلبيا كان ام ايجابيا. فلم يخرج رد الفعل عن الاطار الاستباقي الذي كانت عبّرت عنه المعارضة حين سرى ان الرئيس المكلف في وارد تقديم تشكيلة حكومية الى رئيس الجمهورية في الايام المقبلة، من حيث تأكيد هؤلاء الاقطاب ان حكومة كهذه هي "حكومة امر واقع"، واذا كانت المعارضة غير موافقة عليها فهي لن تمشي فيها، من دون اهمال الاصرار على ضرورة تأمين المؤازرة السورية – السعودية لولادة الحكومة العتيدة.