#adsense

صيغة “المياه الباردة”؟!

حجم الخط

صيغة "المياه الباردة"؟!

عندما يستجلب البعض تاريخ تشكيل الحكومات في لبنان في محاولة مكشوفة لمزيد من التجني على الرئيس المكلف سعد الحريري، كما حصل امس، كأن هذا التاريخ يكاد يتعرّق خجلا مرتين:
اولاً: لأنه يُستعمل في غير موقعه الصحيح والصادق، اذ من المعروف من اين ينبع التأزيم، وكيف يحصل التعطيل، وما الذي منع ويمنع اعلان الحكومة العتيدة في جو من الوئام والتفاهم على ما يتمنى اللبنانيون، ومن بالتالي الذي جعل من مطالبه وشروطه التعجيزية ام العقد ورابع المستحيلات.

ثانياً: لأن ليس في هذا التاريخ سابقة في التعمية والتعطيل وصلت الى حد تمزيق الدستور وتعطيل صلاحيات الرئيس المكلف، وتعاونه مع رئيس الجمهورية في التشكيل. وذلك، اولا عبر اصرار الجنرال ميشال عون على حصته المبالغ فيها الى حد التعجيز، وثانيا عبر امتناع حلفائه حتى عن المشاركة في عملية التشكيل بتحديد مطالبهم واقتراحاتهم والتمترس الحازم وراءه، في ما بدا كأنه رغبة مكنونة بتعطيل التشكيل ما دام عون هو الذي يتحمل عملياً ومعنوياً وزر هذا التعطيل !

***
في اي حال، ما دمنا نتحدث عن التاريخ، يجدر بنا جميعا ان نتذكر انه ليس في تاريخ الحكومات في لبنان والعالم معارضة تستميت الى هذا الحد للمشاركة في الحكومة. فلقد وصل الامر الى حد المطالبة علنا بالتشكيل من خلال الغاء دور رئيس الحكومة ومحاولة التعامل معه كأنه صندوق بريد توضع فيه الاسماء والحقائب، فإن قبل تكون المعارضة هي التي شكلت الحكومة، وإن رفض وحاور وتمنى وتريث لمدة 72 يوماً، على ما فعل سعد الحريري، ثم قدم تصورا لما يراه متوازنا وعادلا ويستجيب مستلزمات الوحدة الوطنية في السلطة التنفيذية، تنفجر في وجهه موجة من الاتهامات الباطلة التي تنطلق من روح التجني والافتئات والبغضاء والكيدية، وكل هذا لا يقيم تفاهما او وحدة وطنية.

***
ليس في التاريخ جماعة ترفع لواء المعارضة وتتحدث تحت لافتة المعارضة ثم تعطل تشكيل الحكومة، ما لم تأت هذه الحكومة وفق املاءاتها وشروطها. ولكن هذا حاصل في لبنان.
اكثر من هذا، لم تفعل معظم قوى المعارضة في خلال 72 يوماً سوى وضع سعد الحريري أمام "الامر الواقع" الذي تمثل بمطالب قدمها عون ولا يمكن استجابتها (من النسبية، الى المطالبة بالوزراء الستة، الى الاصرار على الداخلية والاتصالات وعلى اربعة وزراء من الموارنة).

وفي مواجهة كل هذه المغالاة في التعقيد والتعطيل، وبعد شهرين ونصف شهر من الحوار والانتظار والمساعي وابتلاع الجروح، لا يتوانى البعض الآن عن اتهام الحريري بأنه قدم صيغة "حكومة الامر الواقع" الى الرئيس ميشال سليمان، ولكنه عملياً وموضوعيا لم يفعل اكثر من التقدم خطوة الى الامام خارج المياه الراكدة وبهدف تجاوز الامر الواقع الذي فرض عليه، حيث ترك وحيداً، فلم يعاونه احد في الحلحلة والاقناع واختراق الجدران المقفلة، ولكأن عليه إما ان يعالج ما بدا مستحيلا او ان يسلم مقاليد التشكيل الى المعارضة!

لم تكن المعاملة مع الحريري لائقة ولا ديموقراطية، ولا تميزت بالحد الادنى من الحرص على التسهيل وتمتين الوحدة الوطنية. لكن ما لا يصدق الآن ان الذين اوصلوا شروطهم التعجيزية الى السماء لم يجدوا حرجا امس في اتهامه بعدم اللياقة والافتقار الى الديموقراطية !

في اي حال، لا يوازي استماتة المعارضة للامساك بالحكومة إلا استماتة سعد الحريري لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية. اما وقد قدم الصيغة التي يراها مناسبة بعد شهرين ونصف شهر من الحوار والمناقشات وجس النبض واستطلاع المطالب المكنونة، فإن من الضروري ان يقرأ اللبنانيون ملياً الاسماء والحقائب في التشكيلة المقترحة لكي يتبين تماما من الذي يريد التسهيل والتفاهم والوحدة الوطنية، ومن الذي يريد العكس مراهنا على تصلب غيره.

***
ولو كان عون هو الذي يتولى تشكيل الحكومة، هل كان اكثر انصافا من سعد الحريري الذي اقترح وزارة الاشغال للنائب ألان عون ابن اخت الجنرال، ووزارة التربية الى فريد الياس الخازن الماروني، ووزارة الثقافة الى ادغار معلوف، ووزارة العمل الى آغوب بقرادونيان، ووزارة دولة الى فيرا يمين؟

فعلاً، لو كان عون رئيساً يشكل الحكومة هل كان اكثر "كرماً" من الحريري، ام ان القصة متداخلة هنا فلا تقف عند حدود توزير صهره جبران باسيل، ولا تنتهي عند شروطه بل عند الذين استعملوا ببراعة هذه الشروط لتعطيل التشكيل مدة شهر ونصف شهر على الاقل؟
بكثير من الموضوعية، ومع الحرص على اللياقة واحترام الجميع، ليس كثيرا ان يرى اللبنانيون الآن ان سعد الحريري لم يقدم صيغة حكومة امر واقع، بل صيغة تفكيك الامر الواقع التعطيلي، وهي صيغة اشبه بسطل من المياه الباردة نزلت على الاعصاب الحامية… فلعل وعسى !

المصدر:
النهار

خبر عاجل