#adsense

الردع و”شقيقه” في المبارزة

حجم الخط

الردع و"شقيقه" في المبارزة

لعل الموضوعية الزائدة تملي هذه المرة الاعتراف للمعارضة بأن رفضها لتشكيلة الرئيس المكلف سعد الحريري لم يكن إلا انسجاما طبيعيا مع مسارها ومواقفها ليس من باب الاحقية الدستورية طبعا، بل من باب الواقعية السياسية.
فالمعارضة في رفضها التلقائي المتوقع لهذه التشكيلة اعترفت ضمنا للحريري بأنه واجهها بالاسلوب المحبب نفسه اليها، وهو توازن القوى، مع فارق اساسي طبعا هو ان الحريري لجأ الى "الردع الدستوري" الاقصى فيما المعارضة تنهج غالبا الردع التعطيلي والعرفي وتفيد من ثغر الدستور.

بذلك يبدو من باب التبسيط السخيف تقليل "خطورة" مبادرة الحريري، فيما هي ليست بهذه "العفوية" ابدا. فالرجل يتوّج معموديته الرسمية باللجوء الى ذروة الدفاع عن صلاحيات رئاسة الحكومة رافعا التحدي الى امكنة سبقه اليها كثر في سجل تجارب الازمات الحكومية.
حتى ان الامر لا يقف عند رؤساء الوزراء السنة. بل هي مفارقة ساخرة جدا ان يضحي الحريري اليوم في موقع سبقه اليه قبل 21 عاما خصمه الاساسي اليوم العماد ميشال عون.

آنذاك – عام 1988 – انسلخ الضباط المسلمون عن الحكومة الانتقالية بعد اقل من ساعة من انتقال مقاليد رئاسة الجمهورية الى عهدة رئيس الحكومة العسكرية الانتقالية العماد عون في نهاية عهد الرئيس امين الجميل. العماد عون ايضا لم يوفر حرفا في دستور 1943 إلا واستعمله في اثبات شرعية سلطته. وبلغ مساره الذروة بعد ذلك بعام حين أقدم على حل مجلس النواب الذي ابرم اتفاق الطائف. كان العماد عون في الموقع الدستوري الخالص الذي يقارع ميزان قوى مختل بقوة داخليا وخارجيا.

بعض اوجه الشبه يصح الآن فقط في مفارقة المواجهة بين "الدستوري" و"الواقعي" ومعارك الكر والفر بينهما. الحريري يتظلل بصلاحياته ويندفع الى ذروة استثارة غضب المعارضة في استعمال هذه الصلاحيات، وهو في الموقع المحق تماما في اعادة النصاب الى دستور تهالك لفرط العبث به. والمعارضة تتظلل "التوافقية" لتبرر رفضها التلقائي لصيغة لم تضعها بنفسها مما يفقدها النجاح في هدف جديد يراد له ان يكرس سابقة جديدة تضحي معها القوى السياسية الشريك الثالث في تشكيل الحكومات عبر تسمية وزرائها واختيار حقائبها.

إنها حلقة في صراع لن يرى نهاية على توازن القوى اولا واخيرا، ومن ابلغ علاماته واكثرها تعبيرا عن حدة الصراع ان تشكيلة الحريري ولدت بعد ثلاثة اشهر بالتمام والكمال من الانتخابات النيابية. الانتخابات كانت حلقة في الصراع، والحكومة هي الحلقة المكملة، والبقية آتية حتما بدستور ومن دونه، وبردع وبردع مضاد، وبموجات لا تكلّ في حرب توازن القوى المفتوحة التي اضحت معها الصفة الملازمة للبنان هي انه والازمات صنوان.

المصدر:
النهار

خبر عاجل