الحريري أثبت انه (يتخذ قراراً) ولكن ماذا بعد مأزق الرفض؟
المهم في كلِّ ما جرى أن الرئيس المكلَّف سعد الحريري أقدَم ولم يتراجع، ومارس حقّه الدستوري ولم يخضع للإبتزاز وفاجأ خصومه بأنه يجرؤ على اتخاذ القرار، وقلب الطاولة على رؤوس الجميع لإرغامهم على تحمُّل مسؤولياتهم.
هذا الكلام ليس في الهواء ولا يأتي من فراغ، ومن المفيد إنعاش الذاكرة التي أُصيبت بدُوار على مدى اثنين وسبعين يوماً من عمر التكليف، لفرط ما سادها من سجال سياسي ومناورات وسيناريوهات وبالونات اختبار.
منذ اليوم الأوَّل على التكليف بدأت الحملة على الرئيس المكلّف، قام بزيارة خاصة إلى السعودية فقيل إنه ذهب إليها ليحوز على موافقة التشكيلة التي سيُقدِّمها، سافر في رحلة عائلية إلى جنوب فرنسا فلحقت به الإنتقادات من أنه يُفتَرَض أن يكون في لبنان، إذا لم يُقدِّم تشكيلة يُقال إنه ينتظر تطوراً ما من الخارج، وإذا قدَّم تشكيلة يُقال إنه استأثر بالقرار.
* * *
بعد إثنين وسبعين يوماً على التكليف، استعمل الرئيس المكلَّف حقه الدستوري بأن حمل إلى رئيس الجمهورية تشكيلة حكومته وذلك استناداً إلى البند الثاني من المادة 64 من الدستور التي تقول:
(رئيس مجلس الوزراء يُجري الإستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها)، أكثر من ذلك لم يرد أي شيء في الدستور، فما هي الخطوة غير الدستورية التي ارتكبها الرئيس المكلَّف؟
هل إذا قدَّم التشكيلة الى رئيس الجمهورية يكون قد ارتكب (هرطقة دستورية)؟
الرئيس المكلَّف قدَّمَ تشكيلة تحترم نتائج الإنتخابات النيابية وتعتمد المداورة في الوزارات، وتراعي التوازن، فهل في هذه المعطيات الثلاثة هرطقة؟
المعارضة تقول إن من حق كل كتلة نيابية أن تسمي الوزراء والحقائب، أين ورد هذا )الحق) في الدستور؟
وإذا تمَّ تثبيت هذه الآلية، فعندئذ ماذا يتبقى للرئيس المكلف أن يفعله؟
ألا يتحوَّل عندئذ إلى (علبة بريد) تضع فيه الكتل النيابية أسماء وزرائها بـ(الظرف المختوم) و(تُفض العروض) في قصر بعبدا مع رئيس الجمهورية؟
وفي هذا المجال هل يستغرق تشكيل الحكومة أكثر من ساعة أو ساعتين؟
وإذا كان الأمر كذلك (أي أن تسمي كل كتلة نيابية الوزراء والحقائب) فلماذا إذاً استشارات التأليف؟
انه إذاً (سيناريو الهرطقة) وكأننا نعيش في فوضى دستورية لا مكان فيها لإحترام بنود الدستور، والكلمة لمن يرفع صوته أكثر!
لكن السؤال الأهم يبقى:
ماذا بعد؟
وما هي الخطوة التالية؟
لقد ثَبُت أن هناك قراراً بعرقلة الرئيس المكلَّف، وحتى لو اعتذر وأُعيد تكليفه من جديد فما الذي سيتغيَّر على مستوى العقبات والعراقيل والتعقيدات؟
بالتأكيد لا شيء، وسنكون مجدداً أمام أزمة مفتوحة قد لا تمتد سبعين يوماً فقط بل سبعة أشهر، لكن ما هو أكيد أن التشكيلة التي قدَّمها الرئيس المكلَّف هي السقف الذي يقبل به ولا ينزل إلى ما دونه، ففي التشكيلة التي قدَّمها اقترح أن يكون الوزير جبران باسيل وزير دولة، في أي تشكيلة مقبلة لن يقبل بغير ذلك، بمعنى ان وزارة الإتصالات ستؤول إلى شخص آخر.
* * *
يبقى سؤال أخير:
هل من أصابع خارجية خفية رمت بثقلها لإفتعال هذه العرقلة وهذا التعثُّر؟
لنراقب رصد (الزلازل السياسية) في المنطقة والصراعات العربية – العربية وإنعكاساتها على لبنان، فعندها نُدرِك أن المأزق ليس فقط داخلياً.