امتحان للرئيس التوافقي
لا نبالغ في القول إن أزمة تشكيل الحكومة في لبنان، التي تعكس صعوبة، بل استحالة حكم البلد بحسب الاصول الديموقراطية في ظل قوى الضغط المعروفة، هي فوق ذلك امتحان لعهد الرئيس ميشال سليمان، الذي اصبحت التشكيلة الآن في عهدته.
فالرئيس الذي جاء تحت عنوان عريض جرى تعليقه فوق مكتبه وكتب عليه «الرئيس التوافقي»، يجد نفسه الآن مضطراً لاتخاذ موقف من هذه التشكيلة التي عرضها عليه سعد الحريري رئيس الحكومة المكلف. هذا الموقف الذي لن يستطيع أن يرضي به الجميع، لا يمكنه أن يكون خارجاً على الدستور، الذي اقسم الرئيس على صيانته، والذي بموجبه يحق للرئيس المكلف اختيار الوزراء الذين سيتعاون معهم، بناء على نتائج الانتخابات التي تم تكليفه على أساسها. كما لا يستطيع رئيس الجمهورية في الوقت ذاته اتخاذ موقف يهدد التوازن الوطني، ويشل العمل الحكومي، اذا وقّع مرسوم تشكيل حكومة الحريري، بعد أن اعلنت المعارضة نية مقاطعتها واستقالة وزرائها منها، الأمر الذي من شأنه أن يكرر الازمة الحكومية التي سبقت اتفاق الدوحة الذي مهد الطريق لانتخاب سليمان ولتشكيل حكومة تصريف الاعمال الحالية.
وهكذا فالرئيس الذي وقف ضد التهديد بالثلث المعطل، انطلاقاً من أنه ليس قاعدة صحيحة للعمل الحكومي، والذي اعتبر في وقت سابق أن نتيجة الانتخابات يجب ان تمهد الطريق الى ارساء حكم مستقر، يعكس ارادة الناخبين، فتحكم الاكثرية بموجب ذلك وتعارض المعارضة، يجد نفسه الآن عاجزاً عن فرض موقفه هذا. فهو من الناحية العملية امام ثلث معطل تجسده مقاطعة او استقالة الوزراء العشرة المحسوبين على المعارضة، كما ان رئيس الجمهورية امام استحالة ترجمة نتائج الانتخابات سياسياً، كما كان يُفترض وكما يقتضي الدستور والاصول الديموقراطية.
كيف يمكن أن يكون الرئيس توافقياً بين فريق يتمسك بالصلاحيات التي منحه اياها الدستور وعبرت عنها ارادة الناخبين عبر صناديق الاقتراع، وفريق له فهمه الخاص لفكرة الوحدة الوطنية والشراكة، التي لا تستقيم في نظره الا عند التجاوب الكامل مع مطالبه، حتى لو كانت تشكل انقلاباً على الدستور والقوانين وعلى ارادة اللبنانيين؟ وكيف للرئيس ان يقف في وجه هذه الارادة النيابية التي عبرت عنها نتيجة الاستشارات الملزمة التي تم تكليف الحريري بموجبها، ثم عبّرت عنها التشكيلة الحكومية التي حفظت للاكثرية حصة متواضعة، هي أقل مما تحتاجه للحكم ولتنفيذ البرنامج الذي تم انتخابها على اساسه؟
ليس سهلاً الامتحان الذي يواجهه الرئيس ميشال سليمان. لكن الانصاف يقتضي القول انه ليس امتحاناً للرئيس التوافقي فقط ولفكرة التوافق نفسها في بلد ممزق كلبنان. انه امتحان اصعب لامكانية حكم لبنان بعد اليوم حسب الاصول والاسس الديموقراطية التي كانت تمثل القاسم المشترك الذي تلتقي عنده مختلف التيارات والطوائف، والتي كان يتهدد السلم الأهلي كلما مسها فريق من الفرقاء او طائفة من الطوائف. نحن امام ازمة حكم وليس فقط امام ازمة تشكيل حكومة. ويُفترض ان يثير القلق الوطني ان هذه الازمة بدأت تأخذ عنواناً مذهبياً للتعاطي معها وللدفاع عن صلاحيات رئيس الحكومة المكلف وحقه الدستوري في تشكيل حكومته، وهو ما عبر عنه التفاف الزعامات السنية حول سعد الحريري، رغم اختلاف بعض هذه الزعامات مع مواقفه السياسية.