8 آذار تمعن في "المراوغة".. ورفضها الحصة "المضخمة" تفرض تحرّك الرئاسة الأولى
الحريري يقدم "تشكيلة إنقاذية".. فهل من يستجيب؟!
قدم الرئيس المكلف التشكيلة الحكومية إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان، بعد 70 يوماً من المشاورات والمحادثات والمماحكات.
خطى الرئيس المكلف بحزم نحو كسر الجمود الذي رافق حركته منذ توليه تأليف الحكومة بعد أن تبين له وبما لا يقبل الشك، أن لا سبيل للوصول إلى "تركيبة متجانسة" في حال استمرت دائرة الفراغ التي نصبها له أطياف 8 آذار بالاتساع، فبادر إلى تقديم رؤيته للمرحلة المقبلة مع الحفاظ على الوعود التي سبق وقطعها للجميع.
في ما أودعه الرئيس المكلف في بيت الدين، مجموعة من الأسماء المتجانسة، وتوزيع عادل للحقائب يعتمد مبدأ المداورة كي لا تبقى الوزارات حكراً على أحد ما يخلق نوعاً من التحدي في تقديم الأفضل في مدة تولّي الوزارة، كما أن الحريري بنى ما قدمه انطلاقاً من تمسكه بالصيغة المتفق عليها، أي 15 -10 -5، والأهم أنه على الرغم من أن هذه التشكيلة تراعي نتائج الانتخابات التي أفرزت فوزاً لقوى 14 آذار لا غبار عليه، ارتضى الرئيس المكلف أن يضحي من "كيس" هذه الأكثرية في سبيل ما يسمى "الشراكة الوطنية"، مقدماً وزارات وحقائب "دسمة" لفريق 8 آذار، وتحديداً للنائب ميشال عون وتكتل "التغيير والإصلاح".
سياسة "المراوغة".. و"التعطيل"
قبل ان يقوم الرئيس المكلف بمبادرته هذه، عمدت الأقلية النيابية إلى ممارسة سياسة "المماطلة" و"المراوغة" في تعاطيها مع كل ما يقدمه الحريري من طروحات، بل ذهبت إلى حد رفع سقف مطالبها، وكأن المطلوب أن يستسلم زعيم "تيار المستقبل" للمراوحة المفروضة على مشاوراته، متناسين أن هناك اكثرية وأقلية أفرزتهما الانتخابات النيابية، ومن المنطقي التعاطي مع تشكيل الحكومة من هذا المنطلق، وليس من حسابات محض شخصية على غرار ما حصل في الفترة السابقة، عبر محاولة تعويض ما فاتها في صناديق الاقتراع من بوابة انفتاح الحريري ومعه الأكثرية النيابية واعتمادهما سياسة اليد الممدودة في التعاطي مع 8 آذار.
اليوم، أصبحت هذه القوى امام واقع جديد، فرضه الرئيس الحريري للخروج من المأزق الحكومي، والاطلال على هموم الناس بحكومة وحدة فيها الكثير من التجانس، والمساهمة في تدعيم الوفاق الوطني لمواجهة قادم الاستحقاقات، داخلياً، إقليمياً ودولياً.
لكن، وعلى الرغم من كل هذا، واصلت 8 آذار سياستها التعطيلية، فالجنرال عون، سارع إلى رفض مبادرة الرئيس المكلف جملة وتفصيلاً، قبل الإطلاع عليها، مكتفياً بما وصله من إشارات توحي بأن "صهره"، وزير الاتصالات جبران باسيل غير موجود ضمن الأسماء التي طرحت "احتراماً للناخب الذي لم يعطه ثقته في 7 حزيران"، فنبتت مقابلة له على "صوت المدى" قطع بها "رحلة استجمامه"، ليرسل إشارات واضحة عن الجهة التي لا تريد "لا حكومة ولا بلد" بحسب ما تقول أوساط سياسية مطلعة، فضلاً عن توريطه للحلفاء بموقف متسرع لا يخدم المصلحة الوطنية العليا، فأتى البيان المشترك لـ"التيار العوني" و"المردة" و"الديموقراطي اللبناني" و"الطاشناق"، ليلاقيهم بعدها امين عام "حزب الله" السيد حسن نصر الله، الذي أعاد الوضع إلى حقبة توزيع الاتهامات، والحديث عن "افتعال أزمات وتعقيد الأوضاع".
دور الرئاسة الأولى
وبناء على ما تقدم، يبرز إلى العلن دور رئيس الجمهورية، فهو اكد مراراً أن على الجميع تحمل مسؤولياتهم لقيام حكومة وحدة وطنية، وأنه لن يوقع على مرسوم تشكيل لا يتوافق عليه الجميع، واشترط أيضاً أن تكون هذه الحكومة تراعي كل الأفرقاء، وهذا ما فعله الرئيس المكلف في ما قدمه لرئيس الجمهورية.
ولأن دور سليمان كان ولا يزال صمام الأمان في الحفاظ على جو التهدئة وتفعيل الحوار، فهو اليوم، بحسب ما تردد أوساط سياسية "مدعو إلى استكمال ما بدأه منذ توليه سدة الرئاسة عبر مواصلة سياسة التحاور وتقريب وجهات النظر"، وإذا تنقل هذه الأوساط "ارتياح رئيس الجمهورية إلى التشكيلة المقدمة له"، تؤكد أنه "سيبدأ مشاورات بنّاءة مع قوى الأقلية وعلى استعداد للغوص بكل التفاصيل انطلاقاً من ملاحظاتها على خطوة الحريري، وبالتالي محاولة تدوير زوايا التشكيل للوصول إلى ما يرضي الجميع بالشكل الذي يحافظ على التجانس داخل الحكومة ويراعي المبادئ المعتمدة في التوزير وتوزيع الحقائب".
ولعلّ أول إشارة تُلتقط في هذا الإطار، ما قاله وزير الاتصالات جبران باسيل بعد زيارته إلى بيت الدين مع وفد من المعارضة، فباسيل على الرغم من رفضه "الصيغة المطروحة جملة وتفصيلاً"، أبقى باب الحوار والانفتاح مفتوحاً، وهذا ما ساهم في بلورته الرئيس سليمان بعد أن تبين رفض المعارضة للمبادرة، وبالتالي بدأ الرئيس في مسعى جديد لتقريب وجهات النظر قدر الإمكان.
اجتراح الحلول .. مطلوب
إشارات باسيل "السلبية"، لا تدعو للتفاؤل، لكنها في نفس الوقت لا تقفل الباب أمام إمكانية اجتراح الحلول، في وطن تعود على "الولادات القيصرية" لكل ما له فائدة على المجتمع اللبناني، لأن الرئيس المكلف يصر "على مد اليد" للطرف الآخر، ولأن رئيس البلاد يستطيع أن يوفق بين الأضداد على كثرتهم، ويدرك جيداً أن ساعة الحسم لا بد منها في حال تعذرت "عمليات التليين".
النائب السابق مصطفى علوش، يرى في مبادرة الرئيس المكلف "محاولة لوضع الجميع أمام مسؤولياتهم، وتحريك الجمود المفروض بإرادة الأقلية"، أما "استهجان حزب الله لهذه الخطوة، فهو مبني على مبدأ ضرب الصلاحيات التي أعطيت للرئيس المكلف في الطائف، على غرار ما فعله في الأربع سنوات الماضية من محاولات لتقييد النظام وفرض سلطة من خارج السلطات الشرعية، لكي يكون كل شيء خاضعاً لمنطقهم".
في انتظار "التوازنات الإقليمية"
بنظر القيادي في "تيار المستقبل"، ان "القرار الأساسي هو تعطيل إنشاء الحكومة وليس أي شيء آخر"، أما عن دور رئيس الجمهورية في هذه المرحلة، فيقول علوش: "على رئيس الجمهورية أن يبقى محافظاً على حياديته. يوزن الأمور. يراعي صيغة العيش المشترك، وإن كان هناك من إمكانية لبعض الرتوش على التشكيلة التي بين يديه، فلا بأس من التصرف بها، وأن يعلن موقفه على الملأ"، لكن وعلى الرغم من كل هذا يعتبر علوش أن "ظروف البلد وتركيبته السياسية والطائفية لا تسمح لرئيس الجمهورية بهامش كبير من التحرك".
كما يشير عضو الأمانة لقوى 14 آذار إلى أن "الحقائب التي أعطيت لـ8 آذار مضخمة جداً، 9 حقائب خدماتية وسياسية بامتياز، هي أكثر ما يمكن أن يقدم لهذا الفريق، وهي في مكان ما قد تسبب مشكلة مع الأكثرية لأنها ستقلل من وجود حقائب وزارية حرزانة في جعبتها".
وانطلاقاً من هنا، يقول علوش: "لو كان لديهم نية للتفاهم كانوا ليطرحوا العودة إلى التشاور وليس رفض الصيغة بهذا الشكل"، ويضيف بشيء من التشاؤم: "ذاهبون إلى أزمة حكم طويلة، والرئيس المكلف ليس بوارد الاعتذار وإن فعل فهو سيكلف من جديد وبالتالي ستبقى حكومة تصريف الأعمال"، ويختم: "الأمور مرتبطة بالتوازنات الاقليمية وما يمكن ان يحصل في القادم من الأيام".