#adsense

سوريا لن تدع لبنان يرتاح ما لم تحصل على ما تريد

حجم الخط

المعارضة تخيِّر الأكثرية بين القبول بشروطها أو مواجهة أزمة حكم
سوريا لن تدع لبنان يرتاح ما لم تحصل على ما تريد

لم يعد خافياً على احد لا في الداخل ولا في الخارج ان سوريا هي وراء المشكلات التي يواجهها لبنان وانها هي التي تفتعل بعضها بواسطة حلفائها فيه ثم تقدم عروضا لحلها وتفاوض على الثمن… فما الذي تريده سوريا ولم تحصل عليه كي تستمر في العرقلة؟

يقول سياسيون متابعون لتصرف سوريا حيال لبنان منذ الاستقلال الى اليوم انها لم تكن راضية مرة عن تصرف الحكم اللبناني في معزل عنها وبدون تنسيق مسبق معها، رغم ما كان يربط من صداقة وعلاقات وثيقة بين الحكمين في كلا البلدين، فعندما عقد لبنان اتفاق النقد مع فرنسا لضمان قيمة الليرة اللبنانية، قامت سوريا قيامتها عليه واتهمته باستمرار خضوعه للانتداب الفرنسي لانه فعل ذلك من دون ان يعود اليها ويشكل معها وفدا مشتركا لهذه الغاية. ثم اضطرت هي بعد ستة اشهر الى ان تفعل ما فعله لبنان حماية لعملتها. وفي مرحلة لاحقة قطعت القمح السوري عن لبنان معاقبة له على تفرده في اتخاذ المواقف والقرارات…

وعندما كانت سوريا تتعرض لسلسلة انقلابات عسكرية ويلجأ بعض الضباط والسياسيين المشاركين فيها الى لبنان، كانت سوريا تتخذ من ذلك سببا لتوتير العلاقات معه وملاحقة بعض هؤلاء الضباط داخل الاراضي اللبنانية والطلب من السلطة اللبنانية ابعاد السياسيين المشكو من نشاطهم ضد النظام السوري من لبنان.

ولم تكن سوريا بعيدة عن تسهيل تدفق افواج الفلسطينيين الفدائيين الى لبنان بدءا بمنطقة العرقوب، فشكل ذلك اول ازمة لعهد الرئيس شارل حلو اذ انقسمت الحكومة الرباعية التي كانت تتألف من عبدالله اليافي رئيسا وحسين العويني وبيار الجميل وريمون اده وزراء حول كيفية مواجهة هذا الوضع فاستقالت. ولم تكن سوريا بعيدة مع بعض الدول العربية المتعاطفة مع "منظمة التحرير الفلسطينية" عن صيغة "اتفاق القاهرة" التي فتحت ابواب انطلاق العمليات الفدائية من الجنوب اللبناني ضد اسرائيل، وهو ما ادى الى حرب لبنانية – فلسطينية، ثم الى حروب داخلية دامت 15 سنة ولم تنته الا بدخول القوات السورية الى لبنان، وهو دخول كانت سوريا قد هيأت نفسها له عندما وافقت في قمة الرياض على ان تشكل قواتها تسعين في المئة من القوة العربية المشتركة التي عرفت في حينه بـ"قوة الردع العربية" كما انها كانت جاهزة لوضع يدها على لبنان سياسيا وامنيا واقتصاديا لتملأ الفراغ فيه اذ لم تعد فيه مؤسسات تعمل بفعل الحروب المدمرة وانتشار دويلات الميليشيات التي تقاسمت المناطق…

واستمرت الوصاية السورية على لبنان ثلاثين عاما كانت خلالها هي التي تختار رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومة وتعين الوزراء وتطبق النظام الديموقراطي وكذلك الدستور على هواها وتاتي بمن تريد نوابا خاضعين لها، ولم يكن للشعب اللبناني المنهك همّ سوى الامن بعدما ذاق الامرين من ويلات الحروب العبثية، فيما لم يكن لسوريا همّ سوى البقاء في لبنان اطول مدة ممكنة، وكان شرطها الوحيد لاختيار رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة هو ضمان عدم المطالبة بانسحاب قواتها من لبنان، لا بل كان هذا هو السؤال السوري الوحيد الذي يطرح على المرشحين لرئاسة الجمهورية والمرشحين لرئاسة الحكومة فجعلت الوجود العسكري السوري في لبنان يخضع لعبارة "ضروري وشرعي وموقت" التي كانت ترد في خطابات القسم وفي كل البيانات الوزارية…

وعندما اضطرت القوات السورية الى الانسحاب من كل لبنان تحت ضغط الشارع وما عرف بـ"ثورة الارز" فان الحكم في سوريا لم يغفر لمن قاموا بذلك، وصمم على الانتقام منهم من خلال ما تبقى من وصايته على لبنان، فحال دون تمكين الاكثرية النيابية التي فازت في انتخابات 2005 من الحكم، كما كان قد حال دون تمكين "ثورة الارز" من اطاحة ما بقي من ولاية الرئيس لحود الممددة. وحاولت سوريا ما استطاعت تعطيل اجراء تحقيق دولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه ثم تعطيل انشاء المحكمة ذات الطابع الدولي للنظر في هذه الجريمة بانسحاب الوزراء الشيعة من حكومة الرئيس السنيورة، واقفال ابواب مجلس النواب في وجهها وفي وجه النواب ايضا بدعوى انها حكومة غير ميثاقية وغير شرعية…
وحاولت ايضا اسقاط تلك الحكومة بالتظاهرات والاضرابات والاعتصامات التي دامت اكثر من سنة في وسط بيروت التجاري لكنها لم تنجح بل نجحت في الحاق اضرار فادحة بالممتلكات الخاصة والعامة وبالمحال التجارية وبالمطاعم والمقاهي.

وعندما جرت انتخابات 2009 كانت سوريا تتوقع ان تفوز فيها قوى 8 آذار الحليفة لها فتعود وصايتها على لبنان ولو بالوكالة، لكن ما توقعته لم يصح فكان الفوز لقوى 14 آذار اي لـ"ثورة الارز". عندها قررت سوريا تعطيل قدرة الاكثرية على تشكيل حكومة وحدة وطنية الا بشروط الاقلية المعارضة بعدما كانت قد نجحت في تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية مدة ستة اشهر لقطع الطريق على ان يكون من قوى 14 آذار ولم يكن ثمة سبيل للخروج من الازمة الا بافتعال احداث 7 ايار وبالدعوة الى عقد مؤتمر في الدوحة تم فيه الاتفاق على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية وعلى تشكيل حكومة وحدة وطنية واجراء انتخابات على اساس قانون الـ60 ظنا منها ان تقسيم الدوائر بموجبه هو في مصلحة قوى 8 آذار.

وها ان سوريا تكرر بواسطة الاقلية المعارضة الحليفة لها اللعبة اياها التي مارستها قبل الانتخابات اي تعطيل تشكيل الحكومة الا اذا سمت المعارضة وزراءها والحقائب وان لرئيس الجمهورية وللرئيس المكلف فقط ان يقبلا او يرفضا ما تعرضه عليهما الاحزاب والكتل، ولهذه الاحزاب او الكتل ان توافق على المشاركة او ترفض وتقرر عندئذ ان تكون في صفوف المعارضة وهو ما كان يحصل في الماضي ولا تهدد بالشارع كما تفعل معارضة اليوم…

لذلك رأى الرئيس المكلف سعد الحريري ان عليه بعد مرور اكثر من شهرين على التكليف ان يعرض تشكيلة وزارية على الرئيس سليمان تتمثل فيها كل القوى السياسية الاساسية في البلاد ليقول كلمته فيها، فاما يوافق عليها او يطلب ادخال بعض التعديلات او يرفضها، وعندها يقرر الرئيس المكلف اتخاذ الموقف الذي يراه مناسبا، فاما يعتذر ليفسح في المجال اما اعادة تكليفه ليواصل عملية التأليف ويأخذ مزيدا من الوقت او يتم تكليف سواه. وتبين ان المعارضة ما بعد الانتخابات هي مثلها قبل الانتخابات فلا هدف لها سوى التعطيل، فبعد تعطيل تشكيل حكومة برئاسة السنيورة مدة سنة، وتعطيل انتخابات الرئاسة مدة ستة اشهر، فانها تحاول الآن تعطيل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الى اجل غير معروف او ان تفرض شروطها بالاسماء والحقائب، حتى ولو ادى ذلك الى افتعال ازمة حكم والحاق الضرر الفادح بمصالح الوطن والمواطنين، فهل يتدخل "حزب الله" لاقناع العماد عون بالموافقة على التشكيلة مع تعديلات طفيفة؟

الواقع ان تقديم الرئيس المكلف سعد الحريري تشكيلة حكومية الى الرئيس سليمان كشف حقيقة نيات المعارضة في العرقلة والتعطيل، فذهبت الى حد اتهامه بمخالفة الدستور باقدامه على سابقة لم يقدم عليها سواه مع انهم يعلمون، وبموجب الدستور، ان الرؤساء الذين كلفوا تشكيل الحكومات كانوا يعرضون حصيلة استشاراتهم على رئيس الجمهورية، فاما تحظى بقبوله او لا تحظى بها.

وبات واضحا ان المعارضة تريد دفع الرئيس المكلف سعد الحريري الى الاعتذار، فاذا تقدم بتشكيلة حكومية يتهم بانه يخالف الدستور، واذا لم يقدمها ويظل ينتظر الى ما لا نهاية موافقة المعارضة، فانها تتهمه عندئذ بالحاق الضرر بمصلحة الوطن والمواطن وتستخدم ضده عندئذ عامل الوقت للضغط عليه سياسيا وربما امنيا لارغامه على الاعتذار، وهو اعتذار ليته يحل الازمة انما قد يزيدها تعقيدا لان من سيخلفه في عملية التكليف قد يواجه العراقيل التي واجهها، فيصل من يضمرون شرا للبنان الى ازمة حكم والى المجهول…

المصدر:
النهار

خبر عاجل