إنقلاب متدرّج ؟!
ظاهر الأزمة المتفاقمة في لبنان حكومي. لكن باطنها دستوري يتصل بما يمكن ان يشكل انقلابا متدرجا على النظام السياسي الذي تم التوصل اليه في الطائف قبل عقدين من الزمن.
لم تكن الادارة السياسية للبلاد في يد اللبنانيين قبل عام 2005، ولذلك كان الدستور مجرد معجونة يُعاد تشكيلها وفق ما كانت تراه الادارة السورية مناسبا. بعد عام 2005 ظلت معجونة الدستور تشكل بالواسطة عبر حلفاء سوريا في لبنان. وهكذا سقطت قواعد الديموقراطية البرلمانية التي تمثل روح النظام مرتين:
الأولى بعد انتخابات عام 2005 التي لم تتمكن فيها حكومة الاكثرية من ان تحكم او تستمر ودخلت البلاد نفقا مؤلما من الانقسام والصراع الذي اوصلنا الى حافة الحرب الاهلية المذهبية البغيضة.
والمرة الثانية بعد انتخابات 2009 التي لم تستطع بعدها الاكثرية حتى الآن، وقد لا تستطيع، ان تشكل حكومة وفق قواعد الديموقراطية البرلمانية الملقّحة بالوحدة الوطنية عبر مشاركة منطقية ومسؤولة من المعارضة في السلطة.
❒ ❒ ❒
إن التأمل في محطات الازمة المتمادية والتدقيق في شريط مواقف المعارضة ومطالبها وشروطها، التي باتت تُفرض فرضا تحت طائلة شل الدولة وتعطيل البلاد، سرعان ما يقود الى استنتاج واضح هو ان المطلوب ليس افشال الاكثرية في الحكم فحسب، حتى وإن تكن المشاركة قاعدة الحكم، بل السعي الى تجاوز الدستور وتهميش مفاعيله واستطرادا ترسيخ المفروض فرضا بالقوة او بالتعطيل ليصبح عرفا له قوة الدستور.
وفي سياق شريط الازمة المفتوحة على مداها منذ عام 2005، يمكن معاينة نوع من التناغم المنهجي والتفاهم المنسق بين القوى الداخلية التي تدكّ مفاهيم الدستور وتخلخل اسس النظام، في سعي واضح لتحسين مواقعها وتقريب لبنان من موقع اصطفافها في المحور الاقليمي الذي يأخذ في هذه المرحلة عنوان "محور الممانعة"، وبين دول المحور المذكور التي تريد ابقاء لبنان جرما يدور في فلكها، بعدما كان رهناً لادارتها!
من عام 2005 الى انتخابات هذه السنة 2009، تم تعطيل الحكومة وشل الدولة، بما يعني ضمنا اسقاط مفاعيل الانتخابات التي جرت في ذلك الوقت. وما قيل عن الاكثريات النيابية والشعبية وما الى ذلك، معروف. اتفاق الدوحة كان واضحا رغم بؤسه وبؤس الظروف التي املته وفرضت نتائجه، اي التفاهم على تشكيل حكومة تضمن "الثلث المعطل" للمعارضة مرحليا، في انتظار الانتخابات التي جرت قبل اشهر، ومن يربح الانتخابات يحكم بعد انتفاء كل حديث عن "الاكثريات الوهمية" والشعارات المشابهة. نتائج الانتخابات كانت واضحة واكدت فوزا واسعا للاكثرية. لكن النيات الحسنة والرغبة في فتح صفحة جديدة والبناء على قاعدة الوحدة الوطنية كانت واضحة هي ايضا عند الاكثرية التي اكدت تكرارا بلسان الرئيس المكلف سعد الحريري التمسك بمشاركة الاقلية في اطار حكومة وحدة وطنية تلمّ شمل الجميع وتكون قادرة على العمل.
❒ ❒ ❒
ولكن ماذا فعلت المعارضة؟
لم تقبل بالمشاركة بل وضعت شروطا عالية تلامس التمسك بالثلث المعطل الذي كان قد اتفق في الدوحة على ان يكون مرحليا. وبدا الامر في غاية الاثارة والغرابة، اذ ليس في التاريخ من معارضة تطالب بأن تصل مشاركتها في الحكم الى حدود امتلاك "حق الفيتو" او التعطيل.
مع الموافقة على صيغة 15 – 10 – 5، سقط المفعول الدستوري للديموقراطية البرلمانية ليقوم مقامه عرف "الثلث المعطل" وإن مواربة. بعد اليوم لا يمكن تشكيل الحكومات في لبنان خارج هذا العرف المفروض فرضا.
بعد ذلك وضعت المعارضة هذا "العرف المكسب" في جيبها، وتركت الرئيس المكلف سعد الحريري لمدة تزيد عن شهر ونصف شهر في مواجهة المطالب التعجيزية التي تمسك بها الجنرال ميشال عون.
التدقيق في هذه المطالب يدفع الى القول إن المعارضة لا تكتفي بالمشاركة بل تريد ان تملي شروطها على رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، بما ينسف المفهوم الدستوري ويؤسس لتقويض النظام السياسي للبلاد.
صار مفهوم المشاورات الاستثنائية التي يجريها رئيس الحكومة ملزما وحديديا، وبات على الرئيس المكلف ان يكون مثل ساعي البريد يحمل مطالب المعارضة الى رئيس الجمهورية. لكن هذا الامر المستنكر والذي يضرب الدستور يلقى تقاطعا في القبول والاصرار عند المعارضة الساعية الى جعل العرف يأكل الدستور، وكذلك عند المحور الاقليمي الذي يضمن مصالحه عبر القبض على لبنان من خلال حلفائه اللبنانيين.
❒ ❒ ❒
كان يمكن الذهول ان يقف عند هذا الحد، لكن صيغة الحكومة التي قدمها سعد الحريري الى رئيس الجمهورية وقوبلت من المعارضة بكل هذا الغيظ والتحامل والافتئات، هذه الصيغة تعطي المعارضة عمليا ما لم تكن لتطلبه لنفسها لو كانت هي الاكثرية التي تتولى التشكيل.
لقد حصلت المعارضة وفق هذه الصيغة على اهم حقائب الخدمات: الاشغال – التربية – الصحة – الخارجية – الزراعة – العمل. والتأمل في هذه التشكيلة يوحي عمليا كأن هذه الحكومة هي حكومة اكثر من متوازنة لا بل ان الارجحية فيها هي للمعارضة، ورغم كل هذا كان الرفض والاتهامات والتعطيل.
ربما لأن عملية ليّ ذراع الدستور التي قد تكفي داخليا لا تكفي خارجيا، لأن المطلوب إبقاء لبنان رهن "الريموت كونترول" السياسي.
والخلاصة ان الانقلاب المتدرج مستمر على الدستور والنظام وفق تناغم منهجي داخلي وخارجي، تنساق اليه قوى في المعارضة من منطلق الطموحات الشخصية المنهارة وقد رسمت تاريخا متلاحقا من الاوهام والنرجسية المطعّمة بالضغينة والكراهية.