#adsense

حقيقة التعطيل: سرقة استحقاقين نيابيين على التوالي

حجم الخط

ليست أزمة حكم أو نظام بل أزمة أخلاق وتهديد للكيان
حقيقة التعطيل: سرقة استحقاقين نيابيين على التوالي

اندلعت "الثورة البرتقالية" في أوكرانيا، وبعدها "الثورة الخضراء" في إيران، على خلفية التلاعب الواسع النطاق بنتائج صناديق الإقتراع، فنزلت الجماهير إلى الساحات تطالب بأصواتها. بخلاف هاتين الحالتين، لم يكن مقدّراً لقوى 8 آذار في لبنان أن تنظّم عملية تلاعب واسع النطاق بنتائج صناديق الإقتراع، وإن كانت الإنتخابات النيابية قد جرت، سواء عام 2005 أو عام 2009 في ظلّ وضعية تفرض عملياً "نظام الحزب الواحد" فوق قسم أساسيّ من أراضي الجمهورية اللبنانية، من ساحل بعبدا إلى الجنوب اللبناني إلى بعلبك الهرمل، كما تفرض، لا سيّما بعد أحداث 7 أيّار وضعيّة "الغلبة الأمنيّة" فوق معظم أراضي الجمهوريّة.

في لبنان ليس مقدّراً حتى الآن أن تخرج الجماهير لتنادي بالنتائج التي حقّقتها. ذلك أن التلاعب بمصائر العمليّة الإنتخابية أتخذ شكلاً آخر. جرى الطعن في شرعية استحقاق 2005 لأسباب استجمعت من هنا وهناك، ومنها أنّ الظروف "العاطفية" لم تكن متعادلة بين الفريقين (كذا!)، ومنها أنه جرى فرط "التحالف الرباعيّ" (كما لو كان التفويض الذي يعطى للنواب مرهوناً بتحالف من هذا النوع وهو ما يخالف المنطق الديموقراطيّ التمثيليّ)، ومنها أنّ القانون الإنتخابيّ لا يحتكم إليه.. هذا مع أنّ الجميع قبله "على مضض" يومها.

أشهر قليلة بعد إنتخابات 2005 وبدأت لعبة التلاعب بمصائر هذه العملية، على أساس توصيف الرئيس السوريّ بشّار الأسد للأكثريّة يومّها بأنّها "مؤقّتة" و"وهميّة". وآلت الأمور في نهاية العام 2006 إلى المطالبة بإنتخابات "مبكرة" من دون تحديد القانون الذي يرعاها، وعلى أساس إعتبارها إستحقاقاً تحكيميّاً بإمتياز. والمفيد هنا التذكير مرة أخرى بمقولة الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، عشيّة "الإعتصام": "لتحصل الانتخابات وإذا فازوا بها نعدهم بالصمت حتى الدورة المقبلة بعد أربع سنوات".

وقبل سنة بالتمام من انتخابات 2009، كان الميزان الأمنيّ يختلّ بشكل فاضح في البلد لمصلحة قوى 8 آذار، وبدلاً من الطابع "التحكيميّ" المعطى للإستحقاق الإنتخابيّ المنشود، صارت هذه القوى تعمّم خطاب "حتميّة الإنتصار" في هذا الإستحقاق، وبالشكل الذي يمسّ فعلاً باللعبة الديموقراطية ويجعلها بحكم المفروغ منها سلفاً. حتى إذا بدأ العدّ العكسيّ للمنازلة، صار خطباء الفريق "الممانع" يطالبون بـ"الثلث المعطّل"، كضمانة هذه المرة لهم في حال خسروا الإنتخابات، وليس كضمانة لهم في إنتظار حصول الإنتخابات كما كان خطابهم من تشرين الثاني 2006 إلى "إتفاق الدوحة" في أيّار 2008.

وجاءت النتائج بعيدة كلّ البعد عن خطاب "حتميّة الإنتصار"، بل كانت هزيمة بكل المقاييس لقوى 8 آذار، وهذه الهزيمة لا تزال قائمة في معطاها الإستراتيجيّ الأوّل وهو أنّ مشروع قيام هيمنة مذهبيّة مسلّحة على البلد، وهو المشروع الذي طرح نفسه بشكل منهجيّ وهجوميّ منذ آب 2006 قد وصل إلى لحظة فشله التاريخيّ في حزيران 2009 أيّاً كانت قدرة اللبنانيين بعد الإستحقاق النيابيّ الأخير على إعادة تشغيل نظامهم أو إستعادة الحدّ الأدنى من وحدتهم الوطنية والشروع في معالجة المشكلات المصيريّة التي تنهك بنيان كيانهم.

مع ذلك، تصرّفت قوى 8 آذار على أساس استعادة سيناريو ما بعد انتخابات 2005. هذه المرة لم توصف الأكثريّة بـ"المؤقّتة" و"الوهميّة"، لكنه جرى ابتداع "أكثرية شعبية" في وجه "الأكثرية النيابية"، في خلط رهيب بين منطق "الإستفتاء" ومنطق "الإنتخابات التشريعية"، وعلى أساس نظريات "أنا الديموغرافيا"، و"السلاح في خدمة الديموغرافيا" و"الديموغرافيا في خدمة السلاح". ثم كانت نظرية "النسبية" وهي إسم آخر لنظريّة "المثالثة"، حيث لا يعود ينظر إلى البلد على أساس أكثرية وأقلية نيابيتين كل منهما متعددة طائفياً ومذهبياً، ولا على أساس ثنائية إسلامية مسيحية، وإنّما على أساس كانتونات ثلاثة سني وشيعي ومسيحيّ، ما يعني، وفقاً لـ"التصوّر العونيّ" أنّه ومهما كانت نتيجة الإنتخابات، ومهما كان قانون الإنتخابات، فإنّ قوى 14 آذار ينبغي أن تحصر بالحالة السنيّة فقط، ولا بأس بالتحريض الطائفيّ في هذا الإتجاه.

وبعد نظريّة "الديموغرافيا" ثم نظرية "النسبية"، وهما تدوير لـ"نظرية المثالثة"، صرنا إلى نظريّة أنّ البلد أمام "أزمة نظام"، وأنّه "تبيّن" أن الإنتخابات النيابية غير صالحة لإصلاح هذا النظام، بل هي من علامات هذه الأزمة، ولا بدّ من تجاوزها قبل تجاوز أيّ أمر آخر. والحال هذه فإن الأزمة ليست لا أزمة حكم ولا نظام، بل أزمة أخلاق بشكل مباشر. إنّها أزمة أخلاق ساعة يفرض طرف 8 آذار، عند كل عتبة، تحديّاً ما، يكون تحكيم النزاع مع 14 آذار على أساسه، ثم يخاض في الأمر ويقع التحكيم على غير مصلحة وهوى 8 آذار فتثور ثائرته ويطالب بإعتماد معيار تحكيميّ آخر، وهكذا دواليك، في إمعان بالمنطق التعطيليّ، ودائماً تحت شعار "محاربة الإستئثار" بل و"مقاومة الإضطهاد"..

والمشكلة في كلّ هذا، أنّه، ولمّا كانت عمليّة التلاعب بمصائر العملية الإنتخابية تحدث بهذه الطريقة الملتوية، فلا يعود واقعياً أن يصار إلى الإحتكام الميدانيّ إلى الجماهير للدفاع عن أصواتها، كما في حالتي أوكرانيا وإيران، لا بل يصير الطرف المتلاعب هو المبادر إلى التهديد باللجوء إلى "الشارع ـ السلاح".

وهذه المشكلة تتعاظم لأنّه ينبغي الإعتراف بأنّه كان على الأكثريّة النيابية البحث بعد الإنتخابات عن كيفية عدم التخلّي عن المسألة المركزيّة على جدول أعمال اللبنانيين، بل المسألة المركزية التي يفسّر بها إنتصار 7 حزيران: حقّ الشعب اللبنانيّ، في الحدّ الأدنى، في ممارسة الرقابة السياسيّة والثقافيّة على كل سلاح وكل مسلّح في لبنان لا يخضع لأمرة الدولة. هذا إلى حين حل الإشكالية بشكل لا يعود فيه ثمة سلاح ومسلّحون خارج الدولة.

في 14 آذار 2005 كما في 7 حزيران 2009، كانت إرادة الشعب تمارس حقّها الرقابيّ هذا، وعلى أساس هذا الحق استمدّت قوى 14 آذار طابعها الأكثريّ نيابيّاً وشعبياً، والطابع "التاريخيّ" للكتلة الإئتلافية التي تمثّلها. فمهما كانت ضرورات الإعتدال والترويّ بعد ذلك، لا يجوز في أي حالة، إنقطاع "14 آذار" و"الأكثرية" عن مورد الشرعيّة الشعبيّة هذا.

فالمشكلة قائمة منذ أربع سنوات وستبقى حتى أمد غير منظور، بين خط يرى دوراً للديموقراطية اللبنانية عموماً، وللمؤسسات الدستورية خصوصاً، في ممارسة "رقابة" ما على منظومة السلاح والمسلّحين، في مقابل من يرى دوراً "أبويّاً" حيناً، و"تدخّلياً ـ موضعيّاً" حيناً آخر، و"تعطيليّاً" في كلّ الأحيان، لهذا "السلاح" بإزاء الديموقراطية اللبنانية ومؤسساتها، ودائماً تحت شعار أنّها ديموقراطية طائفيّة، كما لو كان السلاح نفسه "علمانياً" أو ينهل من معين المادية الجدلية!

والحال أنّه، إذا كانت لحظة سياسية اقتضت اعتدالاً من جانب "الأكثرية" في الحديث عن مسألة السلاح فإنّ "الجرعة التعطيلية الزائدة" حالياً ينبغي أن تعيد تذكير هذه الأكثريّة بأنّ هذه المسألة لا يمكن تجاهلها أو تأجيل النظر فيها، وأنّه مجرّد تذكّر هذه المسألة يعيدنا إلى أساس المشكلة: ليس ما نراه أزمة نظام، بل أزمة أخلاق وقيم، وبشكل أعمق، عملية تهديد لأساسات الفكرة الكيانية اللبنانية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل