#adsense

بين سيناريو الفراغ وسيناريو الحلقة المفرغة

حجم الخط

الأزمة سياسية دستورية لكن احتمالات توظيفها أمنياً قائمة
بين سيناريو الفراغ وسيناريو الحلقة المفرغة

لم يفاجئ رفض المعارضة التلقائي لتشكيلة الرئيس المكلف سعد الحريري الحكومية أحداً من المتابعين للشأن اللبناني. فهذا الموقف جاء منسجماً مع منطق أطراف المعارضة القائم على ثنائية التعطيل والاستقواء بالسلاح، وما جرى حلقة في صراع سيطول، ظاهره تفخيخ الحكومة وابتزاز رئاسة مجلس الوزراء في صلاحياتها الدستورية تحت مسمى حكومة الائتلاف الوطني، وباطنه الاعتداء السافر على الدستور وتجاوز لنتائج الانتخابات.

يدرك أطراف المعارضة في قرارة أنفسهم ان الخطوة التي أقدم عليها الرئيس الحريري، كانت "دستورية" مئة في المئة، وأن التشكيلة التي قدمها الى رئيس الجمهورية تتمتع بكل مزايا الميثاقية والتوازن وتراعي العدالة، وأن خطوته جاءت بعد 70 يوماً على مشاورات لم تستثن أحداً، كانت خلالها المعارضة تكرر دعوتها له إلى إعلان تصوره للحكومة، فإذا بها تعلل رفضها لما أقدم عليه بذريعة أنه لا يحق لرئيس الجمهورية ولرئيس الحكومة المكلف إصدار مرسوم تشكيل الحكومة إلا بعد موافقتها على الأسماء وعلى توزيع الحقائب. أي أن مهمة الرئيسين تنحصر في إعطاء صفة "الدستورية" لما تطلبه الأطراف السياسية!.

وجوه متعددة للأزمة

هذا الإدعاء، يدحضه المرجع الدستوري النائب السابق حسن الرفاعي الذي يؤكد أن "النص الدستوري المتعلق بمن يشكل الحكومة أكثر من واضح ولا يحتاج الى توضيح"، معتبراً أن "القضية ليست قضية نص أو تفسير نص، وليست رمانة بل قلوب مليانة لا تريد تشكيل حكومة قبل أن يحدث شيء ما في المنطقة".

الرفاعي يؤكد أن "الضجة مفتعلة، لأن ما قدمه رئيس الحكومة هو مجرد إقتراح وليس نهائياً"، مشيراً الى أن "الرئيس المكلف وفقاً لما أعطاه الدستور، عليه ان يختار هو نفسه ويشارك رئيس الجمهورية بتسمية أعضاء الحكومة الذين يشكلون فريقاً منسجماً(..)".

هذه القراءة الدستورية، تتوازى مع انطباع عند مصادر نيابية في الأكثرية بأن المعارضة لا تريد تأليف حكومة في الوقت الحاضر، وان الشروط المفتعلة ليست اكثر من واجهة او غطاء لعراقيل خارجية اقليمية ناجمة من عوامل عدة ابرزها تعثّر الحوار السعودي ـ السوري، والأزمة السورية ـ العراقية، والقطيعة "المفاجئة" التي أصيب بها الحوار السوري ـ الأميركي.

غير أنه لا مفرّ من الإقرار أيضاً بأن المعارضة تسعى من خلال الاعتراض على تشكيل الحكومة إلى إستهداف ـ أو هي تستهدف ـ النظام السياسي اللبناني بخلق أعراف غير دستورية على قاعدة إما تحقيق مطالبي أو إبقاء البلاد رهينة الفراغ. والتجربة القائمة مضافاً اليها تجربتي تعطيل مجلس النواب في العام 2007 ثم تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية في العام 2008، تؤكد هذا الأمر، بل وتعكس تطلعاً لدى طرف في هذا الفريق الى الغلبة والاسئثار والمسّ بالصيغة واتفاق الطائف. وهكذا أمكن "حزب الله" ومعه أطراف المعارضة رمي البلاد في دوامة الحلقة المفرغة التي تجعل الدولة ومؤسساتها ومعهما اللبنانيين أمام خيارين أحلاهما مر: الشلل أو التسلط.

الفراغ السياسي وفزاعة الأصولية

من نتائج هذه الدوامة، إلى الشلل الذي يضرب المؤسسات الدستورية، تشريع أبواب البلاد على المجهول الأمني. قبل يومين كتبت صحيفة سورية أن "الاستعصاء الحكومي يشرّع لبنان على اختراقات أمنية"، وتحدثت عن "إمكان أن يتسلل المتضررون من باب الفراغ السياسي الحاصل للعبث بالأمن القومي"، ونقلت عن تقارير تتحدث "عن تحركات لمجموعات أصولية في محاولة لاستغلال الفراغ السياسي لتنفيذ عمليات تستهدف الاستقرار الأمني". ولم تخف خشيتها من "إمكان حصول تحرك داخل المخيمات الفلسطينية وربما خارجها نتيجة التطورات السلبية على الساحة الفلسطينية الداخلية وتداعياتها لبنانياً".

هذا الدخول على الوضع في لبنان من بوابة فزّاعة الأصولية الإسلامية ليس بالجديد. فالنظام السوري برع في استخدامها تكراراً. وفي تلويحه بهذه الاشارات احتمالات كارثية على الوضع الداخلي في لحظة تشابك اقليمي مربك.

لا يخفى أن المخابرات السورية كانت من أولى الجهات التي تنبهت لظاهرة القلق الشبابي السني الكامن في بعض مناطق لبنان وداخل المخيمات الفلسطينية في تسعينيات القرن الماضي، فحاولت توظيفه والإفادة منه في "مقاولاتها" مع المجتمعين العربي والدولي، الى جانب استخدامه في تناقضات الشأن اللبناني الداخلي.

بعد أحداث 11 أيلول 2001 (وتصادف يوم غد ذكراها الثامنة) وقبل احتلال العراق في العام 2003، كان لهذه التنظيمات الأصولية المسلحة في لبنان وللسوريين منها أربع وظائف: الضغط على المملكة العربية السعودية في أمنها الداخلي واستقرارها وصورتها أمام العالم، وثانياً ابتزاز الرئيس الشهيد رفيق الحريري في اعتداله ووسطيته وزعامته الوطنية والعربية والإسلامية، وإحداث توازن مع التنظيمات الفلسطينية الرئيسة ـ أي الموازنة بين الحركات الفلسطينية ذات الخطاب الإسلامي والأخرى ذات الخطاب الوطني والقومي للإفادة من صعود الأولى المتسارع ـ، ثالثاً، ورابعاً إيجاد نظير سني لـ"حزب الله" الشيعي في قتال إسرائيل.

لكن هذه الصورة انقلبت بعد العام 2003، أي بعد دخول القوات الأميركية الى العراق؛ فالنظام السوري راح يستقبل ويقدم تسهيلات لمئات الشبان السُنة في سوريا ولبنان ودول الخليج وشمال افريقيا والمغرب العربي لدخول أراضيه تمهيداً للانتقال الى العراق بهدف "الجهاد" ضد قوات الاحتلال. كل ذلك تحت سمع الأجهزة الأمنية السورية وبصرها، وهكذا قاتل هؤلاء القوات الأميركية حتى العام 2006، فيما تشرّب بعضهم في العراق أفكار أبي مصعب الزرقاوي وحروبه المذهبية. لكن عندما اشتدت الشكوى من التصرف السوري، وازاد الضغط من جانب الأميركيين والدول العربية والعراق، انصرفت الأجهزة السورية لتنظم من تبقى من شباب مقاتل عندها في أطر وتوليفات منها "فتح الإسلام" و"جند الشام"، في حين جرى بيع آخرين للدول التي جاءوا منها في سياق مقاولة هذا النظام بالملف الأصولي أيضاً وأيضاً.

بعد حرب تموز 2006، وبداية الانقسام السياسي الكبير في لبنان، ظهرت فتنة العبسي في مخيم نهر البارد التي كلفت الشرعية في لبنان ثمناً باهظاً من دماء الأبرياء من المدنيين والعسكريين، وما كادت تلك الفتنة تخبو حتى أدخل حلفاء سوريا لبنان في دوامة من العنف الدراماتيكي الذي تلبّس تارة شعار السياسة فيما تمظهر تارة أخرى بصبغة مذهبية جليّة كانت ذروته في أحداث 7 أيار 2008، قبل أن ينهي اتفاق الدوحة العنف بتسوية غير دستورية، لكنه عصمت البلاد من الدخول مجدداً الى أتون حرب أهلية.

اليوم، يبدو بين حدي الصراع السياسي الداخلي والتسريبات السورية التي تتنبأ باهتزاز أمني، أن أفق المسألة لا يزال قائماً على قاعدة الوظائف الأربع الآنفة الذكر، ومنها ضرب علاقة السُنة بالدولة والتشويش على زعامتهم الوطنية والسياسية وابتزاز المملكة العربية السعودية. وما بين هذا وذاك ثمة من يخير اللبنانيين بين: السيطرة أو هزّ الاستقرار، الوصاية أو الترهيب، التسليم بالإمرة أو إثارة الاضطرابات.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل