#adsense

“بشير الجميل … تاريخ في رجل” – المقدمة: الجزء الأول

حجم الخط

لمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لإغتيال الرئيس الشهيد بشير الجميل، ولمناسبة صدور كتاب: "بشير الجميل … تاريخ في رجل"، للزميل جورج حايك، ينشر موقع "القوات اللبنانية" الالكتروني مقدمة الكتاب على حلقات تحية وفاء للقائد البشير.

الحلقة الاولى

عام 1975 لم أكن أكملت بعد العقد الأول من عمري، لكن ثمة صورة لا تغيب عن بالي بتاتاً. في يوم ربيعي قررت والدتي اصطحابي، كما كنا نفعل من وقت إلى آخر، إلى الأسواق التجارية في وسط بيروت وتحديداً إلى متجر والدي في محلة المعرض. في الحقيقة كنت أنتظر هذا المشوار وأفرح به لأنني منذ طفولتي كان لديّ حسّ فضولي يحثّني على مراقبة حركة الناس وأعمالهم وتجذبني أجواء تلك الأسواق بأزقتها الضيّقة ودكاكينها المتلاصقة.

في ذاك اليوم الربيعي المشرق، لم يخطر على بال أحد ان تحدث اضطرابات تزعزع الاستقرار. وعلى مستوى فكري البريء آنذاك، كانت التوقعات مجرّد رحلة استجمام وفرح اللقاء بوالدي المشغول يومياً بمتجره حيث كان يغصّ بالزبائن كما عهدته في زيارات سابقة، وكل وسائل الترفيه بحسب اهتماماتي مؤمّنة. لكن الرياح سارت عكس ما أشتهيه، فما إن وطأت أقدامنا، والدتي وأنا، سوق سرسق، حتى انهمر الرصاص فوق رؤوسنا، وبدأ الناس يركضون ويتدافعون ويهربون مذعورين. احتمينا في احد المحال الصغيرة لفترة ربع ساعة حتى انتهت المعركة، ولم أكن أسمع سوى لعنات وشتائم على دخلاء أو مجموعة من "الطابور الخامس" يثيرون المشاكل الأمنية هنا وهناك في مناطق عدة، لم أعد أذكر بعدها كيف وصلنا إلى الأشرفية برفقة والدي.

كل يوم كنت أكبر ويزداد وعيي عن مدى خطورة هذا "الطابور" الذي لم يكن بحسب أبناء منطقتي المسيحية سوى الكابوس الفلسطيني وامتداده "الأخطبوطي" في كل المناطق اللبنانية تمهيداً لجعل لبنان وطناً بديلاً من فلسطين المحتلة. هكذا فتّحت عينيّ على الحرب حتى الفتها كما ألفت أسماء المعارك التي كانت تمتزج بأسماء المناطق مثل تل الزعتر والفياضية والسوديكو ورأس النبع وعين الرمانة والشياح والكرنتينا، ثم توسعت الدائرة لتشمل اسماء منظمات عسكرية كالكتائب ونمور الأحرار وحراس الأرز والتنظيم من جهة، والمرابطون وجيش التحرير العربي ومنظمة التحرير والصاعقة والشيوعي والقوميين ثم قوات الردع العربية من جهة أخرى.

يقال ان جيل الحرب ينضج بسرعة أكبر من جيل السلم. فعلاً، لم اتأخر عن ترك ألعاب الصغار لتشغلني "القضية" وتأخذني إلى عالم الكبار. كان خوف أهلي على المصير ينصهر بأحلامي الصغيرة والبحث عن منقذ يدافع عن "وجودنا". هكذا علّمتنا كتب التاريخ على نحو مجتزأ، لأن المواسم الدراسية خلال أعوام الحرب كانت مقطّعة، فندرس يوماً ونغيب عشرة، فلا نكاد نتعرف إلى بطل من جبلنا، من تاريخنا، حتى نجد أنفسنا أمام بطل آخر، ونظن ان الأول لم يمت، بل بقي خالداً، فنضمّه إلى الأساطير: فخر الدين الثاني والنضال المستمر في سبيل الاستقلال واعادة بناء الوحدة الجغرافية السياسية لفينيقيا المجزأة والممزقة منذ أجيال، إلى بشير الثاني المستبد العادل في سهره على أمن العباد وراحتهم، إلى يوسف بك كرم الاهدني الذي رفض الاعتراف بنظام عام 1862 ورفع علم الثورة، إلى طانيوس شاهين وثورة الفلاحين ضد الاقطاع في كسروان ورمز البطولة في الشرق. في الواقع، هكذا كنت أحلم ببشير الجميل من دون ان اعرفه. وعندما بلغت الثامنة كان راديو والدي الصغير رفيق العائلة، شئنا ام ابينا، هو المنبّه الوحيد الذي كان ينذرنا بالأخبار والمستجدات. أذناي أعتادتا على سماع الأناشيد الكتائبية والقواتية، وموسيقى الملاحق الاخبارية، بينها صوت كان يلهب حماستي. رغم صغر سني، كنت التهم كلماته ويحدث فيّ عاصفة من العنفوان والأحاسيس. انه بشير الجميل. ببساطة كان يمثّل فسحة الأمل الوحيدة وعصارة الأبطال التاريخيين الذين تعرّفت اليهم في الكتب المدرسيّة، ودعوات والديّ تؤكّد ذلك كلّما سمعا خطاباً له:"الله يخليك"، "الله يرد عنك"، "الله يحمي شبابك". كان هذا الأمر طبيعياً في وجدان الناس الذين رأوا ببشير "روبن هود" يدافع عن حقوقهم ويحميهم من فلسطينيين بكوفيات مرقطة وشاحنات "دوشكا" يريدون نهب الأرض واستباحتها. أما جنود بشير فكانوا مجرّد مواطنين تصدوا للحظر وتجنّدوا لصدّه. هؤلاء كانوا هواة يمارسون المقاومة بـ"الشورتات" وبكل ما ارتجلوا من قوة وسلاح.

اقرأ الأجزاء الأخرى:   

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل