#adsense

والاعتذار من الناس ؟!

حجم الخط

والاعتذار من الناس ؟!

بعد 73 يوماً من المساعي والمحادثات والمشاورات التي واجهت سلسلة متدرجة من الشروط التعجيزية والعقد المركبة خارجياً على داخلي، كان لا بد من انهاء حازم وجازم لوتيرة التعطيل التي تستهدف تشكيل الحكومة والغاء مفاعيل الانتخابات النيابية الأخيرة.

وهكذا اعتذر الرئيس المكلف سعد الحريري عن المضي في دوامة التشكيل التي جعلت منها المعارضة مسلسل استنزاف واضح ومكشوف، يستهدف الرئيس ميشال سليمان والحريري والدستور والنظام السياسي والدولة العليلة التي تواجه استحقاقات خطيرة وحاسمة.

حسناً، اعتذر سعد الحريري عن التشكيل، ولكن من الذي سيعتذر الآن من اللبنانيين عن التنكيل الذي لحق بالبلاد حيث يقف لبنان في مواجهة أزمة عميقة في وقت تنكب المطابخ السياسية الكبرى في العالم على التمحيص في خرائط المنطقة سلماً أو حرباً؟

من يعتذر الآن من اللبنانيين وقد لمسوا بالقرائن والتفاصيل والاسماء المقترحة والحقائب الموزعة، في الصيغة المقدمة الى رئيس الجمهورية، ان مسلسل التعطيل والرفض والتعجيز لا ينبع من المطالب الداخلية بل من قرار خارجي هدفه الأدنى مقايضة التسهيل في لبنان بالحصول على التساهل الاميركي والاوروبي في الملفات الاقليمية الساخنة والاستحقاقات المقلقة؟

❒ ❒ ❒

لقد كانت المطالب التعجيزية الداخلية، المستندة الى اصرار حديدي وتضامن مقفل عطّل مبدأ النقاش والحوار وطرح البدائل، مجرد ورقة تين لا تستر عورة التعطيل الخارجي، وإن يكن بعض اقنعة العناد الداخلي مصنوعاً من النحاس الطنان الرنان!
أكبر دليل على هذا ان الصيغة التي قدمها الحريري الى سليمان اعطت المعارضة معظم الحقائب الحساسة، واستجابت مبدأ العدالة في الحصص والاحجام، ولو كانت المعارضة هي التي تقوم بتشكيل الحكومة لم تكن لتعطي نفسها ما اعطاها الرئيس المكلف.

مفارقة؟
ربما أكثر. لكن مسلسل المفارقات بدأ منذ زمن، وللناس في هذا البلد السعيد ذاكرة وعقل. فقد قيل عشية الانتخابات على مستويات قيادية في المعارضة:

من يربح يحكم. اذا ربحت 14 آذار فلتحكم وتذهب 8 آذار الى المعارضة. واذا ربحت 8 آذار فستعرض على 14 آذار المشاركة في حكومة وحدة وطنية.
عظيم… جاءت نتيجة الانتخابات مخالفة تماماً للحسابات التي اطلقت الكلام المشار اليه. لكن الاكثرية وسعد الحريري تحديداً ذهبا الى المبدأ القائل: "كما تراني يا شريكي أراك"، ومن خلال اقتناع عميق بضرورة فتح صفحة جديدة وقيام حكومة وحدة وطنية تلمّ شمل الجميع وتكون قادرة على مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه لبنان.

❒ ❒ ❒

ولكن ماذا كانت النتيجة؟
كانت استماتة المعارضة لا للمشاركة فحسب، خلافاً لما قيل من ان الرابح في الانتخابات يحكم، بل لتحديد مساحة هذه المشاركة، حيث عدنا الى دوامة "الثلث المعطل" ولو مواربة. وبعدما وضعت المعارضة هذا الثلث في جيبها، فتح صندوق الشروط العونية على مداه.
شهران من التصعيد والتنكيل الى ان وصلت الأمور تماماً الى ما اشار اليه الحريري في بيان الاعتذار، اي الى معاملة رئيس الجمهورية والرئيس المكلف وكأنهما صندوق للبريد توضع فيه الاسماء والحقائب فتولد الحكومة من جثة الدستور الهامدة والمهترئة !

نعم، الى هذا الحد وصلت الأمور. فالمعارضة تريد ان تقوم هي بتشكيل الحكومة وأن تبقى في المعارضة. تريد ان تلعب كل الادوار في هذه المسرحية المضحكة – المبكية. تريد ان تأكل باليدين معاً. وكما منعت الحكومة من ان تحكم بعد انتخابات 2005، تريد ان تمنع الأكثرية من ان تحكم الآن بعد الانتخابات الأخيرة، وهو يعني عملياً ان المعارضة هي فعلاً التي تحكم وتفرض او بالاحرى تتحكم وتفرض ما تريد !

وفوق كل هذا لا تتوانى بعض الاصوات الظريفة والمحببة جداً في المعارضة عن القول إن سعد الحريري والأكثرية ينفذان سياسة اخضاعية والغائية، وصدق أو لا تصدق.

❒ ❒ ❒

اعتذار الحريري موقف سياسي ووطني واخلاقي مسؤول، خلافاً لكل هذا السيل من الاتهامات والافتراءات التي تنصب عليه من اوركسترا الداخل والنوطة الخارجية المعروفة جيداً.
إنه موقف مسؤول لأنه يحترم ارادة اللبنانيين المُعبَّر عنها في الانتخابات، وينتشل الدستور من التعفير في وحول التفسيرات والاجتهادات، ويحفظ هيبة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وصلاحياتهما، ولأنه يحاول مرة اخرى فرملة اذعان ميكانيكية تشكيل الحكومات في لبنان الى دفتر الشروط الخارجي !

وفي انتظار الاستشارات النيابية الجديدة الملزمة والتكليف، اياً يكن الرئيس المكلف، ثم الاستشارات الاستطلاعية للرئيس المكلف، فالعودة طبعاً وبنعمة ربك الذي في السماء الى الشروط التعجيزية، لأن "أمر اليوم" الخارجي لن يتغير بين ليلة وضحاها. في انتظار كل هذا يستطيع سعد الحريري ان يلتقط انفاسه، وان يطلق همسة تصل حتماً الى آذان التعطيل والمعطلين ولو بعد حين:
أولئك وزرائي فجئني بمثلهم !
إلا اذا كانت تشكيلته المقترحة ستبقى مرفوضة في انتظار واسطة العقد!

المصدر:
النهار

خبر عاجل