الأسر الإيراني للبنان والمقاولة السورية على خط بغداد ـ بيروت.. و"فائض الحذر" لدى سليمان وانفلات "حزب الله"
اعتذار الحريري: الطاولة المقلوبة والفرصة الضائعة
من طهران، أتى الخبر "اليقين" أمس. ففي ردها على دعوة المجتمع الدولي اليها للحوار حول مستقبل ملفها النووي، قدمت إيران ما سمّته "رزمة مقترحات". وبحسب ما أعلن، تتضمن "الرزمة" عرضاً إيرانياً ببحث يتجاوز المسألة النووية ليشمل "الأزمات" في أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين. أي أن إيران تريد أن تستقوي بـ"أزمات" ساهمت في صنعها من ناحية وأن تقول إنها طرف مؤثر في حل هذه الأزمات من ناحية ثانية. وكل ذلك بأفق التوصل إلى تسوية معينة بشأن النووي وبشأن الموقع والدور الإقليميين والإيرانيين، أو بأفق استخدام هذه الأزمات في حال تعثر التسوية وتعذّرها.
إيران وقرار "أسر" لبنان
إذاً، في ما يعني اللبنانيين ويخصهم، إن إيران التي تُدرج لبنان في إطار "أوراق التفاوض"، انما تأسر لبنان بمسارها مع المجتمع الدولي تسويةً أو مواجهةً. وهذا أمر، إذا كان صحيحاً القول إنه سيكون أكثر وضوحاً في غضون الفترة الفاصلة عن نهاية شهر أيلول الجاري، فإن الصحيح تزامناً هو أن "الأسر" لن يُفك مع نهاية أيلول لأن له وظيفةًَ إيرانية غير محدودة بزمن.
النظام السوري على الخط بين العراق ولبنان
في هذه الأثناء، ثمة ما ينبغي إستنتاجه من أداء النظام السوري ومواقفه في الآونة الأخيرة. فبين بلوغ الأزمة السورية العراقية ذروتها بـ"العودة التفجيرية" لدمشق إلى بغداد، وبين التهديد السوري بوسائل إعلام النظام بانفجارات أمنية في لبنان جراء عدم تشكيل الحكومة اللبنانية على شروط سوريا وفريقها، من الواضح أن هناك رابطاً.
ولا يخفي مطلعون على "تفكير" (!) النظام في سوريا إقتناعهم بأن الرابط هنا، هو محاولة ربط التفاوض على العراق بالتفاوض على لبنان وفيه. أي مقايضة "الحل" في العراق بالحل في لبنان. أي ترك العراق سورياً بصورة أو بأخرى لمصير التفاوض الإيراني الدولي من جهة وللتفاوض السوري الدولي حول لبنان من جهة أخرى. وثمة في هذا المجال سابقة سورية "حديثة". ذلك أن نظام الأسد حاول الأمر نفسه في العام 2004، عندما سعى إلى مواجهة سحب التفويض الدولي الإقليمي له بلبنان آنذاك من خلال تصعيد الشغب والعنف في العراق لمنع إنهيار التفويض في لبنان.
دمشق ـ طهران والتعليمات بالتعطيل
على خلفية هذه "الصورة" الإقليمية، لا جدال في أن الأزمة في لبنان، وأزمة تشكيل الحكومة في إطارها، انما تحصل وتستمر على هذا التقاطع الإيراني السوري. فكل من طهران ودمشق أعطت التعليمات إلى جماعاتها بتعطيل قيام الحكومة ما دفع الرئيس الحريري إلى الإعتذار بعد أن إستنفد كل محاولات تشكيل حكومة الإئتلاف على قاعدة العدالة والتوازن.
الأكثرية
الآن، وفي موازاة "الصورة" الإقليمية السالفة، طرأ بعض الجديد على المشهد السياسي اللبناني الداخلي.
"يبدو" أن المشهد موزعٌ على ثلاثة محاور.
الأول هو محور الأكثرية الذي يقف الرئيس سعد الحريري على رأسه. ويقيمُ رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط ضمنه بعد التمييز "الواقعي" الذي تم التوصل اليه بين حركة 14 آذار كائتلاف سياسي شعبي وبين الأكثرية النيابية. مع "تميز" جنبلاط بـ"الفتحة" على قوى في فريق الأقلية النيابية.
"حزب الله" وملحقه العوني.. وتميّز بري
الثاني هو محور الأقلية الذي يقوده "حزب الله" ويضم "ملحقاً عونياً". ويمكن القول إن الرئيس نبيه بري الذي يتقاطع مع هذا المحور في عدد من القضايا والعناوين، يُطلق مواقف متميزة عن "حزب الله" وملحقه العوني، أي يطلق ما هو أكثر من مجرد "إشارات" أو "فلاشات".
لا ينطلقُ هذا الاستنتاج من ملاحظة ما أعلنه الرئيس بري أمس من أنه لن يسمي غير الرئيس سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة فيما لو اعتذر. هذا مع العلم أن لهذا الموقف أهميةً كبرى، إذ يقول بري بموقفه هذا إن تسمية الحريري كانت في حزيران الماضي وستكون في أي وقت لاحق، تسميةً ميثاقية وليس فقط تسميةً أكثرية، ويقول إن جزءاً من "التمثيل الشيعي" سيبقى بجانب هذه التسمية.
بري وحيثياته و"حدوده"..و"مادوف"
لكن الإستنتاج ينطلق من ملاحظة المقاربة المختلفة للأزمة من جانب بري. منذ "البداية" ذهب رئيس المجلس خلافاً لـ"حليفيه" باتجاه "معادلة س.س". وبصرف النظر عن مدى "المراهنة" هنا أو مدى "المبالغة" أحياناً، فإن بري يحاول أن "يحتمي" بمعادلة السعودية ـ سوريا.
ويأخذ الإستنتاج في الإعتبار أن علاقة بري بـ"الحليفَين" تعرّضت لقدر من "الانتكاس" في موسم إنتخابات حزيران الماضي، وأنه لم يتبنّ "كامل" مطالب الجنرال في الحكومة. كما يأخذ في الإعتبار حرص الرئيس بري على عدم تصدّر "المواجهة".
وثمة من يدعو إلى إدخال عامل آخر في إعتبار الإستنتاج الآنف، عامل قد لا يكون مرئياً تماماً في السياسة الآن. وهو العامل المتعلق بإفلاس "مادوف اللبناني" صلاح عزالدين، والانعكاسات الكارثية لهذا الإفلاس على المستوى الشعبي الشيعي، ما يدفع بري إلى الإحتساب لكيفية عدم إنهاك الوضع الشيعي بمزيد من المشكلات وكيفية إستيعاب "الزلزال" المالي شيعياً.
سليمان و"فائض الحذر".. والطمع به
بين المحور الأول والمحور الثاني، حيث يتميز بري من غير ان يعني ذلك أنه يستطيع "ضبط" محوره، يقف رئيس الجمهورية ميشال سليمان بوصفه محوراً ثالثاً. من الواضح أن الرئيس سليمان يفتح على "المتميزَين" ضمن محورَيهما، أي على بري وجنبلاط في محاولة لكسر حدة الإستقطاب. لكن من الواضح أيضاً أن لدى الرئيس "فائضاً" من الحذر.. قد يكون دفع فريق التعطيل إلى "الطمع" بـ"تأنّيه".
مبادرة الحريري.. الفرصة الضائعة
بين "الصورة" الإقليمية من جهة و"المشهد" اللبناني من جهة ثانية، تستمر الأزمة في لبنان في "ظاهرها" الحكومي. ولعلها مرشحة لأن تطول ومرشّحة لإحتمالات شتّى.
بيد أن ما يقتضي تسجيله هو أن مبادرة الرئيس الحريري إلى تقديم التشكيلة الحكومية إلى رئيس الجمهورية، مستخدماً صلاحيته الدستورية، إنما كانت "فرصة" بكل معنى الكلمة. فرصة لكسر حال الإنتظار، لو أنجحت لكانت أتاحت حماية لبنان من التطورات الإقليمية أولاً بل لأتاحت للبنان أن يؤدي دوراً في إطار "نظام المصلحة العربية" وأن يتحول إلى "لاعب" مهم عربياً وإقليمياً أساساً.
الإعتذار يقلب الطاولة.. يضع الجميع أمام مسؤولياتهم.. لكنه في الوقت نفسه مؤشر إلى ضياع فرصة ثمينة على لبنان إستقراراً وأماناً ودوراً وإستنهاضاً.