#adsense

كوميديا الأخطاء!

حجم الخط

كوميديا الأخطاء"!!

قد يُضطر اللبنانيون خلال الأيام المقبلة إلى تلاوة الدستور "آناء الليل وأطراف النهار" وإلى جعله صلاة يوميّة يردّدونها كلما قرأوا "الأبانا.. والسلام"… ربما لكثرة ما يتم التلاعب باللبنانيين وبالدستور، ولأنهم باتوا مدركين أنهم يعاينون إصراراً من قبل رأس المعارضة على ابتلاع كل السلطات في لبنان.. فقد بات مضحكاً ما يظنّه الكثير من المحللين السياسيين أن حزب الله يريد "المثالثة" مع أن كلّ ما يفعله لتعديل الطائف، عملياً لقد تأكد بالدليل القاطع أن حزب الله يمسك بخناق الرئاسة الثانية، ويقبض على مفتاح المجلس النيابي بعدما صدرت الأوامر بإقفاله لمدّة عام ونصف، وقد أسقط نهائياً في يد اللبنانين وأدركوا أن الرئاسة الثانية تم تقييدها، وتم تقييد انتخاب رئيسها بحبسه بين حجري ثنائية تمسك بـ "خوانيق" الطائفة..

هذا ما عاينه اللبنانيون منذ العام 2006 و 2007 و 2008 و 2009، ومنذ العام 2008 انصرف رأس حربة المشروع الإيراني في المنطقة إلى تطويق الرئاسة الأولى بعدما انتهت ولاية "الزلمي" السيئ الذّكر إميل لحود الذي كان "خاتماً في إصبع الوصاية"، فتم تعطيل انتخابات الرئاسة وفتح حرب موقتة في 7 أيار الـ 2008، ومتى استدعت الحاجة سيتم إعادة فتحها وبشكل أكثر عنفاً هذه المرة، إلى أن سمح حزب الله بملء المقعد الرئاسي الشاغر بما اصطلح على تسميته "رئيس توافقي"، و"توافقي" في مفهوم حزب الله تعني "تحصيل حاصل.. لا يحلّ ولا يربط"، فتم تقييد رئيس الجمهورية ومُنع من القبض على أزمّة الحكم قبل أدائه يمين الإخلاص للدستور كما ينصّ الدستور اللبناني في المادة 50 (معدّلة بموجب القانون الدستوري تاريخ 17/10/1927): عندما يقبض رئيس الجمهوريّة على أزمّة الحكم عليه أن يحلف أمام البرلمان يمين الإخلاص للأمّة والدستور (ويورد نص يمين القسم).. ولأن رئيس البلاد عندنا فوق كل اعتبار لا نودّ الخوض في "قبضه على أزمّة الحكم" كما نصّ الدستور، حرصاً على الرئاسة ومقامها الذي استعاد هيببة كرامته منذ جلس على كرسي الرئاسة رئيساً علينا العماد ميشال سليمان، وتاريخه يشهد أنه رجل ذو كرامة وإخلاص ووطنيّة، وليس كما يسعى حزب الله لإظهاره خصوصاً في هذه المرحلة بأنه "الرئيس – العاجز" بالتوافق..

الآن يُكمل حزب الله الجزء الثالث وما قبل الأخير من مخططه الإيراني لوضع اليد على لبنان ومؤسساته ورئاساته الثلاث، فانبرى لتطويق رئيس الحكومة المكلّف ولتجريده من صلاحياته كاملة وإيصاله مغلول اليدين حتى عنقه ـ هذا إذا لم يحل بينه وبين طريق الوصول إذا ما رفض الانصياع ـ وعلى مدى 72 يوماً تابعنا تمثيلية فاشلة من بطولة جبران باسيل، الذي أطلّ بالأمس ليتفوّه بكلام "أكبر من راسو وراس عمو" في حق زعيم طائفة بأكملها بايعته رأساً لها بانتخابات نيابية حصد فيها نجاحاً كاسحاً، فبدا هذا القصير النظر المتكئ على عمه الجنرال الذي يؤجل انتخابات تياره لأنه مدرك أن صهره "الجهبذ" سيرسب فيها رسوباً مدوياً كرسوبه الانتخابي، فبدا في "سفسطة تأتأة فصاحته" كالصبي الصغير الذي أجاب رفيقه في ملعب حضانة "مدرسة التيار" بعدما سأله: "هل ترى النملة الواقفة على قمة الجبل؟ فتذاكى مجيباً: التي تُغمض عينيها؛ أم التي تفتحهما؟!

"القبض على لبنان " هذا ما يسعى إليه حزب الله، وهو الآن يريد إسقاط "الحصن والمعقل الأخير" مصيباً هدفين بتعطيل واحد، صلاحيات رئاسة الحكومة، وتكريس السطو على مجلس الوزراء بالثلث المعطل!! بالتأكيد الأكثرية يقع عليها اللوم الشديد، فتراخيها وسياسة مدّ اليد التي اتبعتها والخطاب الوطني الجامع بعد الانتخابات وهي في موقع الفائز، ثم خطاب النائب وليد جنبلاط تحديداً، و"فتلته" العجيبة في البوريفاج وإظهاره الخوف الدائم على "طائفته" الكريمة التي وقفت وقفة رجال يوم 7 أيار ولم تخف، ومحاولته تعميم ثقافة الخوف على اللبنانيين، وضربه عرض الحائط بحلفائه في 14 آذار فبدأ بالمسيحيين، ثم ألحق بهم سعد الحريري، و"اندار" على "السُنّة" ليفتّ في عضد التفافها حول سعد الحريري، وأخيراً ما قرأناه بالأمس من إيفاده نجله تيمور إلى دمشق واجتماعه بشقيق الرئيس السوري، كل هذا من أجل تأمين انتقال "توريث" حزبه وزعامته بأسلوب آمن لنجل بعد مباركة الوصاية، ورومانسية كلامه بالأمس لو أن المعارضة كانت أقل قسوة، كأن رئيس الحكومة المكلف شدّت له المعارضة أذنه فأوجعته زيادة عن المطلوب، ونعم الحليف الوفيّ والله لمن انتخبوه!!

كل هذه جعلت حزب الله يركب على ظهور اللبنانيين ظناً منه أنهم يرتعدون خوفاً، مع أنه لو قرأ التاريخ لأدرك أن قمة الإفراط النفوذ، هي إيذان ببداية النهاية بحسب منطق التاريخ والإمبراطوريات والدول وكل الشخصيات العنيفة التي سجلت حضورها في التاريخ بالحروب والدماء والتعسّف!!

قراءة الدستور مفيدة، فهو لا ينصّ البتة على أن رئيس الجمهورية "حَكَم"، بل ينصّ على أنه يقبض على أزمّة الحكم، وهذا يعني أنه يقود وليس"حكم" بحسب ما تقترح المعارضة، فالدور الذي يجري إلباسه إياه أن يقف بين فريقين .. ثمة مثل شعبي "ما بينوب المخلّص إلا تخزيق تيابو".. الدستور لا يورد لا كلمة "حَكَم" ولا حتى صفتها، بل ينصّ على أن رئيس الجمهوريّة هو "رئيس الجمهوريّة"، و"رمز الدولة"، و"الساهر" على احترام الدستور، و"المحافظ" على استقلال لبنان، و"رئيس المجلس الأعلى للدفاع"، و"القائد الأعلى" للقوات المسلحة..

حزب الله قرّر تحويل لبنان إلى ملعب كرة قدم يتبارى فيه فريقان، ولبنان "كرة" بين الأقدام، والرئيس "الحكم" يلهث خلف اللاعبين.. "بدكن ما تواخذونا"، هذا ماتش في ملعب وليس دولة، والأنكى أن الحزب يخسر ويثير الشغب في الملعب مدّعياً الفوز، متكلاً على ادّعاء أن "جمهور" المشاهدين المشجعين له في مدرجه، عددهم أكثر من عدد جمهور المشجعين في مدرّج الفريق الثاني..

إذا أراد رئيس البلاد أن يكون حكماً ـ وهو أهل لها ـ عليه أن يمتلك "أدوات" الحَكَم، لا أن يكون حكماً مراقباً لا سلطة له في ضبط إيقاع اللعبة، صفّارة الإنذار لتحديد لخظة الخطأ ومرتكبه، وهو محتاج إلى بطاقات صفراء لإنذار اللاعبين الذين يحاولون العرقلة، وبطاقات حمراء لطرد الذين يريدون الفوز "بالتوحش والقوة والقهر"… غير هذا، لن يكون حكماً، فهذه البطاقات اقتبست فكرتها من ألوان إشارات المرور وقد تم استخدامها لأول مرة في عام 1970 في بطولة العالم لكرة القدم في المكسيك، وذلك بعد صعوبات واجهت الحكام في مباراة نظمت بين الأرجنتين وبريطانيا في بطولة العالم في عام 1966 لأن اللاعبين والمسؤولين الارجنتينيين لم يتقبلوا الخسارة وقاموا باحداث شغب بعد الصافرة النهائية للحكم، فالحكم من دون صفارة تزغرد في الملعب وبدون بطاقات عقوبة، لا يعود حكماً، ولا شرطي سير حتى!!

أما لبنان وشعبه والذي يصر حزب الله على التعامل معه كأنه كرة بين الأقدام، فبالأمس سمعنا تصريحاً مصراً على الثلث المعطل والشراكة بالإكراه!! اللبنانيون يريدون حكومة تترجم نتائج الانتخابات وإلا لماذا أجريت هذه الانتخابات، حكومة تترجم الأكثرية النيابية بحسب النظام البرلماني الديموقراطي اللبناني، الذي اخترعت له الوصاية "زمبرك" تعطيل إسمه "توافق وطني"، فالشراكة متحققة و24 قيراط في المؤسسة التشريعية وتحت قبة البرلمان، وسوى هذا فكل ما يُحتال به على اللبنانيين ليس أكثر من تنفيذ انقلاب "ناعم" و"خشن" على الدستور ومؤسساته والنظام اللبناني تمهيداً لاستبداله بنظام آخر شبيه بما يحدث في غزّة أو في إيران نفسها هذه الأيام على يد الحرس الثوري الإيراني، ولا نريد نسخة من هذا تحدث في لبنان ولو بإسم "الحرس الثوري في لبنان"!!

لن يقول اللبنانيون ما قاله بطل وليام شكسبير في مسرحيته " كوميديا الأخطاء" التي كتبها في عام 1592-1593 وظهر فيها لأول مرة ذكر طريقة صناعة كرة القدم، ففي أحد مقاطع هذا العمل المسرحي يشكو شكسبير على لسان أحد أبطاله قائلاً: "إذ أردتم التلاعب بي ككرة قدم، فالرجاء أن تخيطوني على الأقل من الجلد"…

اليونانيون القدامى نفخوا مثانة الخنزير وخيطوا لها بيتاً جلدياً والرومان نشروها في الجزر البريطانية وغاليسيا وبلاد الجرمان.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل