#adsense

الصمت عن قول الحق أصبح بحجم الجريمة

حجم الخط

الصمت عن قول الحق أصبح بحجم الجريمة

أقصى ما تتمناه قيادات الأقلية، ان يفقد اللبنانيون ذاكرتهم، بحيث ينسون كل ما كانت تقوله هذه القيادات في يوم من الايام والذي تقول عكسه في هذه الايام، وبذلك تأمن، بأن قطيعها لن يحاسبها على ما قالته سابقاً، وجعلت منه قضية، وما تقوله حالياً، وتعمل منه ايضاً قضية ولكن أبشع بكثير، وقد تؤدي بالبلاد الى ما لا تحمد عقباه.

رفضوا توزير الساقطين في الانتخابات، او حتى انتخابهم او اختيارهم لمواقع مسؤولة، واليوم ينكرون رفضهم هذا او يتجاهلونه، لان انكاره وتجاهله قد يؤمّنان لهم توزير «السَنَدْ» والحليف والقريب.

قالوا قبل الانتخابات النيابية «صحتين» على قلب من ينتصر وليحكموا وحيدين ونحن سوف نعارض لمدة اربع سنوات، وقولهم هذا كان نتيجة حسابات خاطئة بأنهم سوف يربحون الانتخابات، وعندما حجب الشعب عنهم الاكثرية النيابية، مسحوا ما قالوه، و«عادت حليمة الى عادتها القديمة» بالتهديد والوعيد ان لم تذهب الاكثرية الجديدة الى حكومة شراكة ووحدة وطنية – انتبهوا الى جمال هذه الكلمات – ولأن الاكثرية اثبتت حقيقة انها امّ الصبي، سارع الرئيس المكلف سعد الحريري الى اعلان نيّته وتصميمه على تشكيل حكومة وحدة وطنية على الرغم من معرفته وادراكه للعقبات والعراقيل والشروط التعجيزية، غير المنطقية التي سوف يواجه من قبل فريق لا يريد حكومة ولا دولة ولا شريكاً، بل يريد هيمنة واستئثاراً وسيطرة واحادية في القرار والتنفيذ، ولذلك شهد اللبنانيون هجمة من «عدّة الشغل» الاعلامية لدى الاقلية، هدفها منع سعد الحريري من تشكيل حكومته، قبل ان يعلن الطاعة للقوى الاقليمية التي تدير الاقلية «بالريموت كونترول»، وتبعها اغراق الرئيس المكلّف بالشروط العرقوبية، مستغلّين طيب نيّته وحرصه على مصلحة لبنان.

طول هذه الفترة كان الحريري معتصماً بالصمت المطبق، يقارب العقبات والشروط والمطالب بالصمت والصبر والحوار، فزعموا ان قوى دولية واقليمية تمنع الحريري من تشكيل حكومته، ولذلك فان الرئيس المكلّف لا يقدّم اي تنازل يعكس رغبته بتشكيل حكومة وحدة وطنية، وقد ثبت ان هذا الزعم الذي هو جزء من عدة الشغل، باطل تماماً، وهو نقيض الحقيقة، لان سعد الحريري قدّم تنازلات معضلة ومؤلمة، اولها القبول بتشكيل حكومة ائتلافية، ثانيها القبول بالتنازل عن ثلثي الحكومة وعن النصف زائداً واحداً، ثالثها، اعطاء حقائب اساسية الى الاقلية هي على حساب حلفائه في 14 آذار، مثل القوات اللبنانية، والكتائب، وكتلة زحلة، وتيار المستقبل، وشخصيات لها وزنها وحضورها مثل بطرس حرب، ونايله معوض ونسيب لحود وغيرهم ايضاً. وبهذه التنازلات وبتقديمه التشكيلة الحكومية الى رئيس البلاد، اثبت سعد الحريري، ليس بطلان اتهامات الاقلية بأنه يخضع لاملاءات خارجية وحسب، بل انه عرّى هذه الاقلية من ورقة التين «الاستقلالية» التي كانت تحاول ان تخفي وراءها عوراتها.

* * * *
موقف الاقلية اوصل البلاد الى المأزق الحالي، واعتذار الرئيس المكلّف عن عدم المضي في تشكيل الحكومة، سيحوّل المأزق الى كارثة، لا يستطيع احد الآن ان يتكهّن بنتائجها وارتداداتها امنياً وسياسياً واقتصادياً، ولذلك لم يعد مقبولا ان يعتصم أحد من القياديين الذين تملأ أفواههم الماء، بنعمة الصمت، لأن الصمت الآن عن قول كلمة الحق اصبح بحجم الجريمة، كما لا يجوز ان تعمم الدعوة الى تقديم التنازلات على الكل، لأن من يتنازل من كيس غيره يكون كالسارق الذي يزكّي امواله، وعلى ما يبدو فان الفجور السياسي الذي تمارسه الاقلية «وصلت مواصيله» الى رئاسة الجمهورية، حيث ركّزت «جوقة الزجل الاقلّي» على دق اسفين خصومة بين الرئيس ميشال سليمان والرئيس المكلّف سعد الحريري بتحريضه على «الشكل» الذي قدّم به الحريري تشكيلته الوزارية واعتباره مهيناً للرئيس سليمان، علماً بأن الاقلية لم تخف يوماً انها لا تريد سليمان رئيساً للجمهورية، وكانت تفضل العماد ميشال عون عليه، وهي لا تترك مناسبة الاّ وتنتقد الرئيس وخصوصا في فترة الانتخابات، وهي التي تريد ان تستولي على حقيبة وزارة الداخلية المحسوبة من حصة الرئيس. وبالتالي فان الرئيس سليمان يعرفهم جيداً «حلّة ونسب» كما يقول المثل الدارج، ويعرف ايضاً لو ان التشكيلة كانت تتضمن اسم جبران باسيل وزيراً لمطلق حقيبة، كانوا هلّلوا وكبّروا وباركوا، ولما كانوا اعتبروا تصرّف الحريري «حلقة انقلابية استثنائية على الدستور والديموقراطية…»

* * * *
سمعت احدهم بالامس، بعد اعلان الرئيس المكلّف سعد الحريري اعتذاره عن عدم تشكيل الحكومة، يقول على احدى الفضائيات ان اعتذار الحريري جاء بضغط اميركي لافساح المجال امام واشنطن لتنهي خططها ومفاوضاتها في المنطقة، وفات هذا الذكي ان الاقلية «الوطنية» كان باستطاعتها ان تمسك الولايات المتحدة الاميركية من اذنها، وتخرجها من اللعب في الساحة اللبنانية وتشلّ خططها،لو انها تلقفت خطوة الحريري وقبلت بالتشكيلة التي ينبئني حدسي بأن اللبنانيين فرحوا لانها لم تمرّ، وينظرون بأمل الى تشكيلة مختلفة تعكس تماماً ارادة الناس في الانتخابات الاخيرة.

المصدر:
الديار

خبر عاجل