التكتل المذهبي يستطيع تعطيل الانتخابات وتشكيل الحكومات
"النظام التوافقي" يتسبّب بالأزمات عند كل استحقاق
بات على اللبنانيين وزعمائهم ان يتفقوا على اي نظام واي دستور يريدون بعدما اصبحت الممارسة تتم بدون نظام ولا دستور بحيث اصبحت الدولة مثل سيارة تسير بدون كوابح. فاذا اتفقوا على اعتماد النظام الديموقراطي الجمهوري البرلماني، فان هذا النظام يقضي بان تحكم الاكثرية والاقلية تعارض الى ان تغير نتائج الانتخابات النيابية هذا الوضع. فلو ان هذا النظام لم يكن هو الافضل بين كل الانظمة، لما كانت اعتمدته بعد التجارب غالبية الدول ليكون مصدر استقرار فيها اذ ان اكثرية الشعب هي التي تتحمل مسؤولية اختيار رؤسائها ونوابها فاذا اخطأت تصحح خطأها في انتخابات لاحقة، وان هي اصابت جددت الثقة بهم. اما اذا صار اتفاق على ابدال هذا النظام بما يسمى "النظام التوافقي" بحجة الحرص على اشراك جميع مكونات الوطن في الحكم بحيث لا تتخذ القرارات ولا سيما المهمة منها، الا بالتوافق، فمعنى ذلك ان انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي ورئيس الحكومة لا يتم الا بالتوافق حتى ولو ظلت ازمة انتخابهم مفتوحة الى اجل غير معروف، ولا يتم ايضا تشكيل حكومة ليس بالتوافق بين كل القوى السياسية الاساسية في البلاد، حتى مهما طال الوقت بل بالتوافق ايضا بين المذاهب والطوائف بحيث يصبح من حق كل طائفة او مذهب طرح شروطها او مطالبها فاذا لم يؤخذ بها يصبح من المستحيل تشكيل حكومة اذا ما رفض اي مذهب او طائفة المشاركة فيها الا اذا صار تعديل الدستور على نحو يسمح تشكيلها من دون تمثيل كل المذاهب والطوائف.
ان اعتماد النظام التوافقي بديلا من النظام الديموقراطي من شأنه ان يعرض البلاد لازمات مفتوحة على شتى الاحتمالات اذ لا يعود في الامكان التوصل الى توافق على انتخاب رئيس للجمهورية ولا انتخاب رئيس لمجلس النواب ولا حتى رئيس للحكومة. ولو ان هذا النظام اعتمد رسميا في لبنان لما امكن التوصل الى انتخاب اي رئيس للجمهورية ولا اي رئيس لمجلس النواب الا بعد ازمة طويلة، ولا كان الاتفاق تم حتى على انتخاب العماد سليمان رئيسا للجمهورية ولا امكن انتخاب نبيه بري ايضا رئيسا لمجلس النواب.
واعتماد هذا النظام يجعل من جهة اخرى الاقلية السياسية والمذهبية تتحكم بالاكثرية، وينتهي اذذاك حكم النظام الديموقراطي الذي يفتح ابواب التنافس بين الاحزاب والكتل من اجل الوصول الى اختيار الحكم الافضل والاصلح للبلاد، كما يفتح ابواب المحاسبة والمساءلة، فيما النظام التوافقي يفرغ الانتخابات النيابية من معناها واهمية نتائجها ويجعل الحكومات التي يتم تشكيلها صورة مصغرة عن مجلس النواب عندما تضم ممثلين عن الاكثرية وعن الاقلية، فلا يعود ثمة من يحاسب ويراقب عندما يصبح الجميع داخل السلطة. فهل هذا ما تريده الاقلية المعارضة لانها اقلية، ثم تغير رأيها اذا اصبحت اكثرية… فلا يكون للبنان عندئذ نظام معروف وثابت بل ممارسة بحسب الاهواء والامزجة والمصالح…
وترى اوساط سياسية ان اي نظام يعتمده لبنان بما فيه النظام الديموقراطي مع وجود تكتلات مذهبية او طائفية تحتكر القرارات ولا تعددية فيها يجعل تطبيقه صعبا اذا كان مطلوبا عدم استثناء اي مذهب او طائفة من المشاركة في انتخاب رئيس الجمهورية وانتخاب رئيس المجلس وتشكيل الحكومة، ففي وضع مثل الوضع الحالي في لبنان، تستطيع الطائفة الشيعية وحدها في وضعها الحاضر وما دام التحالف قائما بين حزبين اساسيين هما "حزب الله" و"حركة امل" ان تفرض رأيها وموقفها على المذاهب والطوائف الاخرى، اذا لم تأخذ بمطالبها، وان هذا التحالف يستطيع وحده ان يعطل انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب وتشكيل الحكومة، خصوصا وهو تحالف مسلح يستطيع ان يهدد ليس بمقاطعة الانتخابات وتشكيل الحكومات بل النزول الى الشارع ليقلب كل المعادلات وموازين القوى، واذا حذت مذاهب وطوائف اخرى حذو الطائفة الشيعية، فان البلاد تسير عندئذ بسرعة نحو "فيديرالية الطوائف" او نحو حكم البلاد بواسطة مجلس رئاسي يضم ممثلا عن كل طائفة، فلا تصدر قرارات مهمة عنه الا بالتوافق حتى ولو كانت الظروف تفرض اتخاذها بدون تأخير.
الواقع انه لم يسبق ان قام في لبنان تكتل طائفي يفرض رأيه ومواقفه على الآخرين والا هدد بعدم المشاركة في الحكم، ويكون هذا التهديد كافيا لتعطيل اي انتخاب ومنع تشكيل اي حكومة لان الدستور ينص على مشاركة كل المذاهب فيها وجعل انعقاد جلسات مجلس الوزراء، محكوما بحضور ثلثي عدد اعضائه لتأكيد هذه المشاركة والا فان الحكومة تكون غير شرعية وغير ميثاقية.
لقد سبق ان قام تكتل مسيحي تمثل سياسيا بـ"الجبهة اللبنانية" وعسكريا بـ"القوات اللبنانية" لكنه لم يستطع احتكار القرار المسيحي ولا الماروني لانه كان خارج تلك الجبهة، زعماء موارنة كثر امثال الرئيس سليمان فرنجيه والعميد ريمون اده وكتلة نواب الموارنة المستقلين التي كان من اعضائها: الرئيس الياس الهراوي وفؤاد النفاع والشيخ الياس الخازن، والشيخ حبيب كيروز ومخايل الضاهر، فكان اذا امتنعت "الجبهة اللبنانية" عن المشاركة في الحكومة، فان زعماء مسيحيين آخرين كانوا يشاركون فيها، بديلا منها وهو ما كان يحصل مع المذاهب الاخرى التي تسود فيها التعددية وليست الاحادية، فيتم توزير من يمثل هذه المذاهب بديلا من الذي له شروطه لقبول التوزير. اما اليوم فان التحالف الشيعي وهو الوحيد حتى الآن بين المذاهب الذي يكاد يقطع الطريق على تمثيل الطائفة بمن هو خارج هذا التحالف، الا اذا نال موافقته، وهو ما جعل الرئيس نبيه بري مرشحا وحيدا لرئاسة المجلس فكان التجديد له غير مرة لعدم وجود مرشح سواه، او منع ترشيح سواه، فاذا حذت طوائف اخرى حذو الطائفة الشيعية، فلا يعود سوى مرشح سني واحد لرئاسة الحكومة ومرشح ماروني واحد لرئاسة الجمهورية فيدخل لبنان عندئذ حكم "امراء الطوائف"، وهو حكم غير مستقر، فليس سوى الدولة المدنية من يؤمن الاستقرار والازدهار.