الحلقة الثانية
وعندما كان حصار "المئة يوم" في الأشرفية وخلفه دوي القذائف والصواريخ، شاءت الأقدار ان تكون في محاذاة منزلنا ثكنة لمدرعات "القوات اللبنانية"، لذا كان عدد الصواريخ التي تنهال على رؤوسنا يتجاوز بأضعاف عدد الصواريخ التي كانت تتلقاها الأحياء الأخرى في المنطقة نفسها. وعندما تعنف موسيقى الموت، كان يمتلكني الخوف، فأغمض عينيّ ولا أفكّر الاّ بكلمات بشير وأتصوّره مع مجموعة من المقاتلين يطردون العدوّ من شوارعنا بالسلاح الأبيض!
في ايام الحرب يتساوى المدنيون والمقاتلون في المواجهة والصمود. هذا ما شحنه بشير في نفوسنا. وثقت بكلامه بعد اصغائي إلى خطاباته، ولم أدع الخوف يتسرّب إلى نفسي. كنا كعائلة صغيرة، والديّ وشقيقي الصغير نتصدّى لكل ضغوط الحصار، كقطع المياه والغاز والطحين والكهرباء والمواد الغذائية. في الملجأ، اكتفينا بقليل من الخبز وحوّلنا المياه العادية مياه صالحة للشرب واستعضنا عن الكهرباء بإنارة الشموع وتقاسمنا المواد الغذائية مع الجميع. حوّل بشير أقبية المنطقة الشرقية ملاجئ للمسيحيين، تماماً كما كانت مدافن روما القديمة ملاذاً لهم أيام الكنيسة الأولى. وكيف أنسى جارتنا التي كانت تجمع الفتيان والفتيات للصلاة امام تمثال سيدة لورد على نيّة الوطن ونصرة القائد بشير.
في ذروة الليالي الحالكة خلال حصار المئة يوم، كنا جميعاً، صغاراً وكباراً، ننتظر "أمر اليوم" من الباش:"الحكي ما بيفيد، كل شبر بروح منردو، منقاتل بكل حيّ، منقاتل بالاحراج والجبال. واذا بقي شبر واحد منعيش فيه بكرامة". كلمات قليلة، لهجة واثقة وحازمة. انه رجل يعرف ما يريد، لذا عند كل موقف لبشير كانت المعنويات ترتفع إلى القمة. كان حقاً رجل العناية الالهية في نظر أكثرية المحاصرين في الأشرفية، فاستطاع ان ينظّم قوة دفاع ذاتية رغم كل الصعوبات.
لقائي الأول ببشير كان في مدرسة القلبين الأقدسين حيث فاق عدد الحاضرين الخمسمئة شخص في قاعة لا تتسع سوى لاربعمئة! دخل، فعلا التصفيق بحرارة. ابتسم، القى التحية أكثر من مرة، فانهمرت عليه القبلات والمصافحات من كل حدب وصوب. ركضت نحوه فتاة صغيرة حاملة وردة وقبلة، فانحنى وضمّها بين ذراعيه وطبع قبلتين على وجنتيها. جلس بشير متأثراً والابتسامة لا تفارق وجهه، ثم حضر كل من الشيخ بيار الجميل وشقيقه أمين والرئيس كميل شمعون. كان لقاء غالياً على قلبي ولا يغيب عن وجداني.
كل سنة كنت أكبر خمسة أعوام. ومن تعرّف إلى بشير في تلك المرحلة المجبولة بذكريات المآسي والحروب والاحلام والانكسارات والانتصارات، لم يكن باستطاعته البقاء غير مبال بالسياسة والأرض والسيادة والكرامة والمقاومة.
كثر لم يكونوا على علم بالمساحة يعرفون المساحة الجغرافية للبنان وأنا منهم. لكن مع بشير حفظناها ظهراً عن قلب: 10452 كيلومتراً مربعاً. اجتمع الأصدقاء والخصوم على رؤيوية مواقفه ووضوحها، حتى قيل فيه الكثير: صاحب قرار وطني، يعطي كل ذي حق حقه، يقول الحقيقة مهما كانت صعبة، سريع الاستيعاب، عنيد في سبيل مواقفه، ظاهرة مارونية، يقدم ولا يتراجع، رجل تخطيط، متواضع، عفوي، مقنع، مقاوم، يحوط نفسه بنخبة من المستشارين الناجحين، نظيف الكف، يستطلع دائماً آراء أهل المعرفة، مرهف الاحساس. تقرأ خطاباته اليوم، فتظن انه القاها قبل ساعات، ليس لأنها لا تزال طازجة في مخيلتنا وضمائرنا، بل لأن الظروف والسياسات والزواريب لم تتغيّر قيد أنملة. الجميع يثني على مبادئه ويتمسك بها، لكنّ احداً لم يطبقها. تشعر ان عقارب الساعة توقفت يوم اغتياله في 14 ايلول 1982. لا شيء تغيّر سوى اندثار حلمه وحلمنا بـ"مدينة فاضلة".