المكلَّف المعتذر العائد
مسلسل التعجيزات والابتزازات الذي واجهه الرئيس سعد الحريري منذ بداية مشواره الطويل والصعب، وحال دونه وحكومة الوحدة الوطنية التي أنجز تشكيلتها بنجاح وحكمة، كشف عمق الصراع حول لبنان. وعليه، وداخله.
ولأسباب ودوافع لا ذنب ولا مصلحة للبنان فيها.
وبين قوى متعدٍّدة، ومتناقضة، ومتواجهة، إقليميّاً ومحليّاً، وعلى امتداد الأزمات المتفجّرة التي تعصف بالمنطقة.
والهدف دائماً، ومنذ مغادرة جحيم الحروب التي أجَّجها الآخرون، هو السيطرة على هذا البلد التعددّي الذي شيَّدت فيه التناقضات والاختلافات الانتمائية والطوائفية نظاماً ديموقراطيّاً برلمانيّاً، لا يزال واقفاً على رجليه بتشبُّث وعناد.
وإن يكونوا نتفوا ريشه وسلخوه ألف مرة ومرة، وهم يسعون الآن الى تدمير صيغته وتركيبته، ونظامه الذي يشكٍّل استمراره شهادة ضد أنظمتهم، وادانة لهم ولها.
وهذا الأمر لا يجوز تجاهله أو القفز فوقه، ولا تجاهل دوره في دفع سعد الحريري الى الأقدام على الاعتذار بعد تقديمه تشكيلة الى رئيس الجمهورية تمنى كثيرون لو كتبت لها الحياة، وأكملت الشوط الى السرايا.
هنا بالذات، في دوامة المتنافسين على كسب "ودّ" لبنان وارتهانه لهم، تكمن شبكة العوامل الخارجيَّة التي تمنع الوطن المعذب من استعادة الهدوء والاستقرار، والعودة الى دورة الحياة الطبيعيَّة.
وهنا بيت الداء وبيت القصيد.
في فيلم "فيفازاباتا" يصرخ الحاكم العسكري بجنوده أن يقتلوا الحصان الشاهد، بعدما اغتالوا الثائر الجميل الذي يحبُّ الفقراء والفلاحين ويساعدهم في حراثة الارض وزراعتها.
اقتلوا الشاهد…
هذه هي القضية. فالشاهد سيفضح المكيدة، ويفضحهم، ويؤلب الناس الطيّبين عليهم.
ولبنان هو ذلك الشاهد في هذه المنطقة. والذي كلما ظنّوا انهم تمكَّنوا منه وقتلوه، يفاجئهم بانبعاثه كطائر الفينيق.
وهكذا، على هذا المنوال، منذ نيّف ونصف قرن.
وهكذا، تم نسج مصالح مشتركة بتقاطع غريب عجيب بين جهات من الداخل وجهات من الخارج تتلهَّف لوضع اليد على هـَ الكم أرزة العاجقين الكون…
لا، ليس الرئيس المكلَّف المعتذر هو مَنْ فشل في تمرير تشكيلة الوحدة الوطنيَّة، بل اولئك الذين عهد اليهم في عدم تمكين سعد رفيق الحريري من النجاح.
حتى لو جاء لهم برابع المستحيلات، وفوق ذلك لبنْ العصفور.
فهذه الثرثرات المبتذلة التي يزرعونها على موائد الزجّالين السياسييّن، لا تستطيع ان تنال من صلابة هذا الشاب الشجاع، المكلَّف المعتذر العائد، ولا تقدر على الوقوف في طريق تكليفه ثانية.
لقد فضحتهم التشيكلة التي اعطت "رأس الحربة" أكثر مما يستحق، وأكثر مما يطلب ويتمنّى.
وكشفت للبنانيين والعرب والعالم ان مرتا تهتم بامور كثيرة والمطلوب واحد… وان المعارضة و"عكرمتها" تتحدث عن مطالب وشروط كثيرة والمطلوب عدم تشكيل حكومة في المدى المنظور.