أَعذارُ الصِّغار واعتذار الكبار
.. واعتذر الرئيس المكلف سعد الحريري عن عدم تشكيله الحكومة. اعتذر بعد 73 يوماً من جلجلة طويلة ذاق بها الأمَرَّين من أهل "النفاق والشقاق"، من أهل القُربى والبُعدى، وأهل العروبة "المزيفة"، وأهل "العجم".. لم يترك هؤلاء وسيلة من الابتزاز، ولا طريقة من التعطيل، ولا سبيلاً من الخداع، لم يستخدموها. أرادوا كل شيء أو لا شيء، هذه الأقلية المفجوعة بنتائج الانتخابات تريد أن تقلب الأمور (بمنطق الثأر من اللبنانيين، بمنحى انقلابي، لتصير هي الأقلية أكثرية، والأكثرية أقلية. اي لتمارس عملية تزوير لاحقة للانتخابات، كمن يرمي صناديق الاقتراع في البحر. وقد سبق ان فَعلتها بعد نتائج الانتخابات عندما أفْتَتْ بأنها الاكثرية الشعبية، يا للهرطقة! ويا للدهاء المخابراتي، وقبلها قالت إن الأكثرية وهمية. عال! وبين هذا الشعار والشعار وعود كَذبتْ (والكذب ملح الرجال والأبطال!) وعهود نكثت وكلام الليل يمحوه النهار، ثم كلام النهار يتبخر في الليل حتى لم يعد يعرف احدٌ ماذا يريدون، ولا ماذا يقولون. لعبوا على كل الحبال. ومارسوا كل الالاعيب وكل أشكال الترهيب والتهويل والتهديد وحاولوا محاصرة الرئيس المكلف في مُربّع ضيق، ليُعلن، استسلامه فيصادروا رئاسة الحكومة (كما المجلس).. وصولاً الى رئاسة الجمهورية وسائر المؤسسات: كأن تأليف الحكومة كان بمثابة 7 أيار بقفازات "جديدة" لكن بانغام قديمة ربما تعود الى بداية بعضهم في الثمانينات…
والمضحك أن هؤلاء من فرط ما كدسوا من شعارات ومن مطالب، ومن "أطماع" ومن "عدميات" راحوا يستخدمون كذرائع ما دأبوا على تخريبه، ويستغلون ما سعوا الى تعطيله، وصولاً الى الخزائن القديمة والمحدثة عند هذه الوصاية أو تلك.. باتوا، برغم المآسي التي يسببونها اشبه بالمهرجين، يثيرون القهقهة بقدر ما يثيرون الشفقة، والحزن.
انهم يتامى الوصايات المتعاقبة لم يعد لهم سوى هذا البلد ليتلاعبوا به.. وبمصيره، من أجل غاياتهم المجهضة بحمده تعالى! آمين!
.. فها هم بعد "عناء" طويل يدًّعون الدفاع عن الدستور اللبناني بذريعة رفضهم التشكيلة الحكومية التي قدمها الرئيس المكلف سعد الحريري الى رئيس الجمهورية. باعتبار ان ما قام به الرئيس المكلف "مُنافٍ" للدستور وللاعراف (أيضاً) وللتقاليد الديموقراطية (والديموقراطية ايضاً: برافو! لأهل ديموقراطية السلاح)، العريقة.
بمعنى آخر يرى جماعات "المعارضة" (قلتُ معارضة؟) أو الاحرى جماعات "الأقلية" انه كان أجدى بالحريري "من أجل الوطن" (تأملوا يقولون من اجل الوطن ايضاً) ان يعرض التشكيلة قبل تقديمها الى الرئيس سليمان "عليهم"، ليوافقوا عليها "كلها" (يا للدقة) وليتأكدوا من انها تتضمن كل الحقائب والأسماء التي طلبوها بلا زيادة ولا نقصان! اي كان على الرئيس المكلف ان يطلب من كل فئة لائحة باسماء وزرائها حتى من دون ان يطلع عليها ثم يرسلها ربما بالبريد المضمون الى قصر بعبدا، شرط الا يجري عليها رئيس الجمهورية، بدوره أي تعديل.. أو تبديل، وإلاّ اتُهم بخيانة الدستور وتجاوز "صلاحياته".. والانحياز الى فريق دون الآخر وبهذا يضربون عصفورين بحجر واحد: الرئاستين الأولى والثانية. وهكذا يصيبون الدولة في صميمها، والوحدة الوطنية في صميمها، والمؤسسات كلها في صميمها.. لنستشف من دون عناء ان مطلبهم الأول والأخير تدمير الدولة وصولاً الى تغيير النظام او نحو "المثالثة" مثلاً، أو نحو الفدرالية او التقسيم او استعادة زمن الوصايتين المباركتين باذنه تعالى.
فبعد 73 يوماً وبعد مناورات وضغوط شاركت فيها جهات "اقليمية" (وإعلامية داخلية مرتبطة بها ارتباطاً قومياً عربياً) وبعد شروط تعجيزية هي واجهة واداة لتلك الضغوط الخارجية بأقنعة داخلية (ميشال عون وشركاؤه) كأنهم وصلوا الى مبتغاهم: وَضْعُ الرئيس المكلف امام الطرق التي سدوها في وجهه: إمَّا هكذا: وإما.. عدنا الى التهويل بل عدنا الى التهديد بحرب أهلية اذا وقع رئيس الجمهورية مراسيم تشكيل الحكومة، وبالنزول الى الشارع واسترجاع تذكارات 7 أيار "المجيدة" باذنه تعالى واذن الوصايتين واسرائيل وباسترداد لغة التخوين وصولاً الى رجوع عهود اهدار الدماء.. والاغتيالات!
ولا تفهم هذا الا كرديف لممارستهم الديموقراطية المشهود لها والغريب انهم افادوا من سلاسة الرئيس المكلف ومرونته وصدقه في محاولة تأليف حكومة وحدة وطنية، فاستغلوا ذلك باعتباره ضعفاً وخوفاً.. وانكساراً امام جبروتهم المستعار الذي الحق بهم هزيمة نكراء في الانتخابات النيابية بحمد الشعب اللبناني الكبير، هذه الانتهازية في فهم مد الأيدي اوصلت الى أزمة "معروفة" تتجاوز التأليف نفسه. أي انهم جمعوا "المطالب" لكي لا تتحقق. وراكموا الشروط لكي يتعثر التأليف. ونَاوروا اعلامياً بنياتهم "النظيفة" (آه! من كلمة "نظيفة" بمشتقاتها المالية ايضاً كمِ اتسختْ وأَنتنتْ في أفواههم!) لكي يصوروا ان الحريري لا يريد التأليف كما صرح "الغائب" والعائد ميشال عون. اي رمي الكرة في ملعب الأكثرية. وهذا منطق رائع تعودناه من أهل "عنزة ولو طارت" وتعودناه من نتاج المخيلات السوريالية التي تعرف كيف توظف غرائبيات "التفسير" والتبرير.. في خدمة واقعها المأسور بالتناقضات والمنافرات.
هذه الازدواجية في المواقف: بين اعلان نيات طاهرة حسنة والتهديد بالويل والثبور، وبين "العودة" الى الدستور برسم تخريبه، والى الدولة لشقها، والى الديموقراطية لشجّها، والى السيادة لخيانتها، والاستقلال لاصابته والشرعية لمصادرتها.. كل هذا جعل الأمور على عقدها وعلى تشابكها واضحة الى حد بعيد وجعل اللعبة "المخفية" مرئية. فجماعات الأقلية من اصوات وأصداء.. تكتفي (كما يظن) بالامتثال للمخططات والاستحقاقات الاقليمية المقبلة أو الداهمة؛ والساعية الى مصادرة مردود الانتخابات بعدما فجعت بنتائجها، لتصادر الارادة اللبنانية المتمثلة بالأكثرية. أي الارادة اللبنانية التعددية مقابل أحادية مموهة بمستويات داخلية وخارجية، باعتبار ان هذه الارادة لا تُعبر عن الحقيقة التمثيلية لا على صعيد التركيبة الخاصة بلبنان ولا على صعيد العلاقة بالوصايات المتخبطة أصلاً بأزماتها الداخلية والدولية والاقتصادية والسياسية، ومحاولة السطو على مفاصل أساسية تمس الأمن الديموقراطي الخاص بالبلد كوزارتي الداخلية والاتصالات. وهما مفصلان اساسيان من مفاصل النظام الديموقراطي والأمن الاجتماعي والسياسي والجماعي والفردي، لكي لا ننسى محاولتهم بهذا السطو التلاعب بمعطيات المحكمة الدولية، أولاً، وكذلك بحرية التعبير والخصوصيات: وكلنا يعلم ان هؤلاء يتمسكون بالمدعو الراسب مرتين في الانتخابات جبران باسيل (بعونه تعالى) لأنه رهينة في أيديهم وان له سوابق في هذا المضمار، ولأنه اقرب الى حزب الله منه الى التيار العوني.. برغم الصهورة!
وقد كنا، مع سوانا، نلاحظ هذه البهلوانيات والضغوط وما يرشح من داخلها من معميات وطلاسم، وهذه "الغلاظات".. و"الوقاحات" والتجرؤات في التعامل مع الرئيس المكلف. ونعجب من اين جاء هذا الفتى بكل هذا الصبر الأيوبي ليتحمل كل هذا النفاق من أهل الشقاق: كيف واجه هذا الرجل كل هذه الحيّات والحيتان الخارجية من ارحام المخابرات والأجهزة وغرف الانقلابات!
كيف صَمَدَ. وبأي قوة اعصاب، وبأي ليونة ومرونة وانفتاح، ووطنية، قابل جحودهم وتلونهم وانقلابهم بحسب تقلبات الوصايات واراداتها (المهزومة اصلاً بالانتخابات!). (والله كان يكفي هذا "الجبران الباسيل" بقحته وتفاهة سلوكه وثقل دمه.. لكي يُهشِّل الواحد من كل هذه الاستشارات). مع هذا تحملهم الرئيس المكلف (لا تنسوا نوبات ميشال عون، فهي اجمل من سمفونية بيتهوفن "النابوليونية"). تحملهم انطلاقاً من ثوابت "لبنان أولاً" ومن ايمانه بالديموقراطية (ولو مع اعدائها) وبالسيادة (ولو مع مخترقيها) ، والمحكمة.. (بيت القصيد) ولو مع منتهكيها كُرمى للقتلة والمستبيحين، وبالدستور وبالطائف وبالتوازن ضمن مكونات البلد والاستمرارية على تطوير في النظام، من دون انقلابات ولا مدافع، ولا قتل، ولا غزو!
اعتذر "زعيم الاكثرية" من دون ان تربح "الأقلية" ويكفي ان يُوَقِّت هذا الاعتذار وباللغة التي اعلن بها ليكون ادانة لهؤلاء الذين انكشفوا من دون ورقة تين تخفي عوراتهم! انكشفوا امام هذا الاعتذار. ذلك ان استمتاعهم باستنزاف الرئيس المكلف وابتزازهم، وتعريض البلاد لازمات اقتصادية وسياسية، وسعيهم الى الهيمنة الانقلابية على المؤسسات الحكومية والرئاسية الجمهورية.. ومفاصل الدولة.. قد وضع لها حداً. على ان يعودوا باذن الوصايتين (ما شاء الله) الى تنويع نغمة التعطيل، بمناورات جديدة لكن هذه المرة بمواجهة الناس وليس الرئيس الذي ستكلفه الأكثرية من جديد فقط، فالأكثرية قبل التأليف كانت اكثرية وشعبية غصباً عن الانقلابيين، والأكثرية بعد الاعتذار ما زالت أكثرية، وان الأساليب الابتزازية التي لم تؤثر في الرئيس المكلف في التكليف الأولى، لن تؤثر في الرئيس المكلف "العنيد" في التكليف الثاني. بمعنى ان سعد الحريري لن يتخلى عن نتائج الانتخابات التي انتصرت فيها 14 آذار بجدارة وعلو؛ ولن يتخلى عن ثوابت انتفاضة ثورة الأرز التي ما زالت تفاجئ أهل "الشقاق والنفاق" كل يوم بقوة حضورها وانبعاثها (ألم يتلقوا صفعة على وجوههم، هؤلاء المُستَتبْعَون بنتائج الانتخابات التي ظنوا انهم ربحوها على الورق وهنأتهم الوصايات سلفاً.. ثم انهزموا في الميدان)، ولن يتخلى الحريري لا عن معنى السيادة في مهمته ولا عن واجب الاستقلال ولا عن التزامات الديموقراطية، ولا عن مفاصل الدولة من خلال الحقائب والوزارات. كما انه لن يرضخ لمن يستقوي عليه بذراع الخارج، او بتهديدات او بالتهويل بحروب اهلية او مذهبية بطبعة جديدة منقحة بالدم ولن يترك لهم ان يغيروا تنفيذاً لارادة الخارج، الصيغة السياسية الراهنة المرتبطة بالطائف، ولا تهشيم النظام القائم على التوازن ولا استفراد بعض فئات 14 آذار وفرض حلفاء الأقلية كميشال عون أو جبران باسيل أو ابو جمرا (راسبين عن جدارة!) ولا الاستيلاء على مقدرات البلد، او تعطيل مفاعيل المحكمة: فالقتلة يتواطأون مع القتلة. والمجرمون يسعون الى تبرئة المجرمين؛ ونظن ان المحكمة الدولية التي علا شعارها مظاهرات مليونية اقوى من ارهاب هؤلاء ومن يقف وارءهم!
فهي أي المحكمة لا تنفصل عن الديموقراطية ولا عن السيادة ولا عن ارادة الناس ولا عن العدالة. وعبثاً "يشترون" قرارات المحكمة الآتية بلا ريب بالترهيب والفوضى والتهديد بالحروب. فاذا اشتراها سواهم بالمال في بلدان اخرى، فهي غير معروضة للبيع في لبنان.
اذاً، قبل الاعتذار وبعده باتت الأمور ربما اوضح. بات الرئيس المكلف على بَيِّنة بل على تأكيد لا يخالطه شك، بمطالب الجهات الخارجية عبر الاقلية ؛ بات كل شيء على الطاولة : بلا مجازات ولا استعارات ولا تمويه. وكما ابدى الرئيس المكلف صبرا ايوبياً على امتداد 73 يوماً من الاتصالات والمشاورات وكما ابدى شجاعة عندما قلب الطاولة على رؤوس المنقلبين على البلد، ها هو من جديد ووراءه وحوله الأكثرية يستعد لجولات جديدة ، بعد تكليف جديد له في الأسبوع المقبل. ولن يهم عندها ان تعدل الاقلية التابعة مخططاتها الابتزازية ومن "تهويشها" ولا من الانصياع لمن تنصاع لهم بذل، لن يهم ماذا تفعل، لان كل "اسلحتها" التي استخدمتها للتعطيل.. قد استنفدت! ولن يبقى لها سوى اللجوء الى منطق الوحدة الوطنية الحقيقية القائمة اصلاً على اعتبار ان الأكثرية اذا لم ترد تأليف حكومة شرعية من لون واحد، قد يعني تسليم رقابها للأقلية. تسوية. نعم! والسياسة فن التسوية. ونقصد بتسوية لا تقوم لا على حساب نتائج الانتخابات ولا على تسليم مفاصل البلد الأمنية للأقلية، ولا قبول ضرب الديموقراطية ولا التواطؤ على قرارات المحكمة الدولية.
من جديد، يعلق اللبنانيون آمالهم على الرئيس المكلف المعتذر، والذي سترشحه الأكثرية للتكليف مرة أخرى، ونظن ان من يكلف تأليف الحكومة… هو سيؤلفها لا سواه، وهو الذي سيحترم صلاحياته الدستورية باستخدامها في عملية التأليف، وفي الحكم.
المهم ان الحريري اذا ما قبل التكليف من جديد، هو سيؤلف الحكومة مع رئيس الجمهورية: رأسَي المؤسستين الجمهوريتين بامتياز!