الحريري عائد ولا حكومة من دونه
مراهقٌ في السياسة مَن يعتقد بأن الوزير جبران باسيل هو (شمشون لبنان) الذي أوقف (قطار) تشكيل الحكومة، فالعرقلة أكبر منه وأبعد من الحدود اللبنانية، وإذا كان هو والتيار الذي ينتمي إليه وآخرون من حلفائه قد إرتضوا هذا الدور فإن لا أحد في لبنان يُصدِّق أنهم وحدهم قادرون على العرقلة، فالقضية لا تبدأ هنا بل من المقلب الآخر من شبه الجزيرة العربية وتحديداً من اليمن مروراً بالعراق وقبالتها إيران وصولاً إلى هنا.
الصراع في المنطقة كبير، إيران تحاول أن تكون (دولة عظمى) في المنطقة، لا أحد يستطيع إخفاء يدها في ما يجري في اليمن، وهي لا تُخفي دورها في ما يجري في العراق، وهي إحدى الدول التي لها تأثير على حركة (حماس) في غزة والضفة الغربية، وهي لها تأثير في لبنان يتجاوز الإطار السياسي، وهذه الأوراق التي تمتلكها ترفض أن تتخلى عن أيٍّ منها إلى حين الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع واشنطن.
* * *
وما يُقال عن تجميع الأوراق بالنسبة إلى إيران يُقال أيضاً عن سوريا، أما الدول العربية الأخرى ولا سيما منها السعودية ومصر فلها تأثيرها أيضاً.
ولأننا في زمن تعيش فيه الدول العربية، بالإضافة إلى إيران، مرحلة شدّ حبال، فإن هذا التمسك يظهر إنعكاساته وتجلياته على الأرض اللبنانية، واللبنانيون المنغمسون في هذا الصراع، أو الذين إرتضوا هذا الدور، وهُم يعتقدون أن قبولهم بهذا الدور سيُحقق لهم مكاسب داخلية ويُحسِّن شروطهم السياسية أيضاً.
من هذا المنطلَق يمكن فَهم (البطولة الوهمية) التي يجترحها الوزير جبران باسيل، فهل مِن عاقل يمكن أن يُصدِّق أنه أوقف التشكيلة الحكومية؟
لكن العقلاء يسألون:
توقَّف تشكيل الحكومة، فماذا بعد؟
إذا كان الرئيس المكلّف سعد الحريري نجل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وزعيم الأكثرية النيابية التي يفوق عدد نوابها السبعين نائباً، لا يستطيع تشكيل حكومة في لبنان، فمَن هو الذي يستطيع القيام بهذا الأمر؟
هنا المأزق الحقيقي، ويُخطىء مَن يعتقد بأنه حقق انتصاراً من خلال إعتذار الحريري، فالجميع خاسرون، وأكثر من ذلك فالحريري عائد وهذه المرة بأكثر من النواب الذين سمّوه في الإستشارات النيابية الأولى بعدما أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري عن عزمه على تسميته.
* * *
مع كل ما حصل فإن ما يمكن قوله هو إن لبنان أضاع فرصة حقيقية في تشكيل حكومةٍ كان يمكن أن تُشكِّل فريق عملٍ متجانس، لكن يبدو أن (المؤثرات الخارجية) حالت دون تشكلها لمصلحة لبنان.
ولكن ماذا بعد؟
أكثر من أي وقتٍ مضى، سيكون هناك تمسكٌ بالنائب سعد الحريري، وأكثر من أي يوم مضى سيتمسك الحريري بالأسماء التي إقترحها، وسيُشدِّد على حكومةٍ تُصنَع في لبنان، أما أصحاب الأدوار (السعداء) بما يقومون به فسيكتشفون أنهم مجرد أحجار على رقعة الشطرنج وأن حركتهم ليست في يدهم مهما بالغوا في الإيحاء أنهم يتحركون من تلقاء أنفسهم.