"آخرتن دربكّات"!!
يحفظ التاريخ نهايات كبرى لكل المتكبرين والمتجبّرين والمستقوين والمتعسّفين والمتسلبطين.. كثر مرّوا في هذا الكون، افتروا وتعنتّوا وادّعوا ان ما يفعلونه هو من الأمور العظام وأنهم عظماء أممهم التي أنجبتها الدنيا وكانت آخرتهم فُرجة وعبرة لمن يعتبر، إلا أن الذين يعتبرون من المصابين بشره التسلّط لا يعتبرون، والإيماء بطرفة عين على تاريخ الجبارين تدفعنا إلى السؤال: أين النمرود بن كنعان ملك بابل، ونهايته "البعوضية" فالعظيم الذي بنى بنياناً عظيماً ليطال إله إبراهيم الخليل في السماء، انتهى بصرع في رأسه تحرّكه بعوضة دخلت أنفه، ولا يهدأ صرعه إلا بعد ضرب خدمه رأسه في النعال!! وأين فرعون موسى جبار الجبارة، مات وجنده غرقاً وعاين شعبه جسد الذي ادّعى أنه إله يلفظه ماء البحر لنتنه ظاهراً وباطناً..
وفي السياسة جبارين وفراعنة أكثر وأكبر بكثير من الذين قرأنا عن مواجهة الأنبياء لهم، وما أكثر "مساطرهم" في لبنان التي تتسلبط على البلاد والعباد، ولا تتردد في إعادة عزف "ربابة" التهديد والوعيد والفتنة ما لم يمسكوا بخناق البلاد بوقاحة ما بعدها وقاحة، فالمستبدون لم ينقرضوا بعد!! ومع هذا: أين قراقوش وما خلفه وراءه من تعسف غريب عجيب جمعه للتاريخ كتاب "الفاشوش في أحكام قراقوش" لجلال الدين السيوطي.
وأين قادة الخمير روج – الذين تسببوا منذ ثلاثين عاماً أثناء حكمهم الذي دام خمس سنوات بمقتل ما لا يقل عن مليون ونصف من الكمبوديين؟ وأين شارلز تايلور المسؤول عن إدارة أشرس الحروب الأهلية الإفريقية في سيراليون المجاورة لليبيريا، حيث ارتكبت جرائم بشعة ضد المدنيين من قتل وقطع رؤوس وبتر أطراف وآذان وأنوف وتمثيل بالجثث وسلب ونهب واغتصاب وإحراق قرى بكاملها، وقد أضاف تايلور وأنصاره تقليداً بربرياً قديماً وهو أكل لحوم البشر الأعداء؟
وأين الزعيم الحديدي الإندونيسي سوهارتو الذي تسبب في مقتل ما يقرب من مليون شخص من المعارضين، الذي عاش حياته بعد الحكم مختفياً عن الأنظار تلاحقه تهم الفساد والقتل، والذي أعلن البنك الدولي ومنظمات شفافية عالمية أنه كان أكبر مختلس في التاريخ، ووضع عام 2000 في بيته تحت الإقامة الجبرية بعدما بدأت السلطات التحقيق في ثروته واتهامه باختلاس 571 مليون دولار لتمويل مشاريع يديرها أفراد أسرته، ومات "فطيس" في النهاية؟
وأين "الكوديللو" فرانسيسكو فرانكو ونظامه الذي ارتبط تاريخياً بعدائه للفن والفكر والثقافة منذ اللحظة الأولى للانقلاب العسكري الذي قام به في 18 تموز 1936. وكانت الجريمة الأولى التي ارتكبها أنصاره هي قتلهم للشاعر الإسباني لوركا، وقد ظلت هذه الجريمة تطارد نظامه حتى النهاية؟
وأين "الفوهرر" أدولف هتلر الذي دمّر أوروبا وتسبب في فناء وموت الملايين في الحرب العالمية الثانية والذي انتحر بتناول السيانيد وإطلاق النار على نفسه في يوم 30 نيسان عام 1945؟
وأين حليفه "الدوتشي" بينيتو موسوليني الذي اعتقل وعشيقته كلارا بيتاتشي في 26 نيسان 1945 فيما كانا يحاولان الفرار إلى سويسرا؟ وجرى إعدامه مع 15 شخصاً من معاونيه يوم 29 نيسان بعدما تم تجميعهم بما فيهم موسوليني وعشيقته وشنقوا مقلوبين من أرجلهم في محطة البنزين في مدينة ميلانو، ثم عرضت جثتاهما مع جثث خمسة قادة فاشيين آخرين في ساحة عامة في ميلانو معلقة من الأرجل أمام محطة لتزويد الوقود، وتقاطرت الجماهير تسبهما وتشتمهما وتبصق عليهما وترميهما بما في أيديهم، وفقدت الجماهير السيطرة على نفسها فأخذت بإطلاق النار على الجثتين وركلهما بالأرجل!!
وأين جوزيف ستالين الذي وصل إلى السلطة في 1929، عمل على إبادة المتعاملين مع الأعداء من أعضاء اللجنة المركزية البلشفية وأعقبها بإبادة كل من يعتنق فكر مغاير لفكره فتارة ينفي من يسميهم العملاء والخونة إلى معسكرات الأعمال الشاقة، وتارة يزجّ بمَن يسميهم الأعداء الداخليين بالسجون، وآخرين يتم إعدامهم بعد محاكمات حتى لجأ ستالين للاغتيالات السياسية. تم قتل الآلاف من الأعداء الطبقيين للعمال السوفيات وزجّ آلاف آخرين في السجون لمجرد الشك في معارضتهم، ولم يسلم "تروتسكي"، رفيق درب ستالين من سلسلة الاغتيالات الستالينية إذ طالته يد رفيقه في منفاه في المكسيك عام 1940 بعدما عاش فيه منذ عام 1936 ولم يتبق من الحزب البلشفي غير ستالين ووزير خارجيته "مولوتوف" بعدما أباد ستالين الجميع!!
وأين صدام حسين الذي لم يقدروا عليه حاكماً، فرشق العراقيون تمثاله بـ "الصرامي" احتفاْءً يوم سقوط بغداد في العام 2003، عثر عليه مختبئاً في "جورة"، ثم تدلّى من حبل مشنقة، هؤلاء ظنوا أنفسهم آلهة!!
يوماً ما سنشاهد في لبنان وهو يوم ليس ببعيد "آخرة دربكات"، تزيح عن كاهلنا كل من يظنون أنهم "كبار" فيتكبرون ويتجبرون ويهددون الشعب اللبناني بالفتن والحروب والترهيب، الذين يرهنون مصيره "خيانة" لمصالح الآخرين.. أما صغارهم، فهؤلاء "الفرجة" الأكبر لأن نهايتهم بأن "يروحوا دبلّكة"، لله حكمة في الجبارين يمدّهم في طغيانهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر..