بعد تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية في لقاءات الطائف
هل باتت الظروف مؤاتية لاستهداف صلاحيات رئيس الحكومة؟
نجحت الأقلية المعارضة ومن وراءها قبل الانتخابات وباسم "الشراكة الوطنية" وسياسة "التوافق" في احداث فراغ رئاسي استمر ستة اشهر وفي تعطيل الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية مدة فاقت السنة، ولم يكن في الامكان الخروج من هذا الوضع الا بعد احداث 7 ايار وانعقاد مؤتمر الدوحة. وتحاول هذه الاقلية ذاتها التي عادت اقلية بعد الانتخابات النيابية ان تحدث فراغا حكوميا بتعطيل الاتفاق على تشكيل حكومة "وحدة وطنية" لانه سبق لها ان قررت ان يكون لها الحكم اذا فازت بالاكثرية في الانتخابات والا تحكمت كأقلية بالاكثرية اذا فازت بها قوى 14 آذار، وهو ما حصل حتى الآن. فكما رفضت في الماضي انتخاب رئيس للجمهورية من اكثرية 14 آذار، فانها ترفض اليوم تشكيل حكومة من هذه الاكثرية بعدما عادت اكثرية بعد الانتخابات. وهددت بالويل والثبور وعظائم الامور اذا لم يتم تشكيل حكومة "وحدة وطنية" وجعلت الرئيس ميشال سليمان يلتزم عدم توقيع مرسوم تشكيلها اذا لم تكن كذلك. فأي حدث جديد تنتظره البلاد للخروج من الازمة المستعصية؟
الامر لم يتوقف عند هذا الحد، بل اخذت المعارضة تعطي صلاحيات رئيس الحكومة تفسيرات مخالفة لنصوص الدستور وذلك بهدف الحد منها وتمهيدا لاعادة النظر فيها، مستفيدة من حصول خلل في التوازن الداخلي، وهو الخلل الذي يجعل الفئة المستقوية بالخارج تطلب تعزيز صلاحياتها عند البحث في تعديل الدستور.
الواقع ان الفئة التي كانت تشكو في الماضي من صلاحيات رئيس الجمهورية الواسعة فجعلته "ملكا على جمهورية" بحسب تعبير الرئيس سليم الحص، وجعلت من رئيس الحكومة "باشكاتب" انتظرت الفرصة السانحة التي تجد فيها نفسها في موقع قوي لتقليص هذه الصلاحيات. فكانت لقاءات الطائف التي نقلت السلطة الاجرائية من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعا. واصبحت صلاحيات هذه الرئاسة موازية لصلاحيات رئيس الحكومة بحيث لا يتم تطبيق عدد من المواد الدستورية الا بالاتفاق بينهما بما في ذلك تشكيل الحكومة.
وعندما اختل التوازن الداخلي مرة اخرى وشعرت فئة لبنانية بانها باتت في موقع قوي بدعم خارجي يجعلها قادرة على طلب تعزيز صلاحياتها الدستورية لتكون متساوية او متوازنة في الحكم مع صلاحيات رئيس الحكومة بدأ الكلام على صلاحيات رئيس الحكومة الواسعة التي تفوق في بعض الحالات صلاحيات رئيس الجمهورية.
وكان الكلام على هذه الصلاحيات قد بدأ في عهد الرئيس اميل لحود وعندما اصبحت علاقات الرئاسة الاولى بسوريا افضل من علاقات رئيس الحكومة بها، وبدأ اعطاء تفسيرات غريبة عجيبة لبعض مواد الدستور فكان التفسير الاول الخاطئ للفقرة "ب" من المادة 53 اذ اعتبرت ان نصها لا يلزم رئيس الجمهورية نتائج الاستشارات التي يجريها لتسمية رئيس الحكومة المكلف وكان الهدف من التفسير المغلوط عن قصد، لهذا النص ابعاد الرئيس رفيق الحريري عن رئاسة الحكومة وتكليف سواه، واضيف الى ذلك تفسير آخر وهو ان من حق النائب، عند استشارته الا يسمي من يرشح لرئاسة الحكومة بل ان يترك لرئيس الجمهورية تجيير صوته لم يشاء من المرشحين. وقد اعترف من اعطوا هذه التفسيرات بهذا الخطأ في ما بعد، ولكن بعد ان حققت اهدافها…
ثم اثير خلاف حول اعداد جدول اعمال مجلس الوزراء وهل هو حق حصري برئيس الحكومة ام ان رئيس الجمهورية يشارك فيه، مع ان نص المادة 64 واضح في الفقرة السادسة منها وهو: "يدعو رئيس الحكومة مجلس الوزراء الى الانعقاد ويضع جدول اعماله ويطلع رئيس الجمهورية مسبقا على المواضيع التي يتضمنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستبحث".
وفي عهد حكومة الرئيس السنيورة اثير خلاف حول تفسير المادة 52 من الدستور المتعلقة بعقد المعاهدات الدولية وابرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ودار هذا الخلاف حول من يتولى عقدها رئيس الجمهورية ام رئيس الحكومة اذا كلفه التفاوض لعقدها. كما اثير خلاف حول وضع الحكومة الشرعي بعد انسحاب الوزراء الشيعة منها، وهل تعتبر مستقيلة حكما ام ان مجلس النواب هو الذي يقرر ذلك، ولم ينته الجدل الى اتفاق، فظل طرف يعتبرها شرعية لكنها غير ميثاقية وطرف آخر يعتبرها غير شرعية وغير ميثاقية ورفض تسلم اي مراسيم او مشاريع تصدر عنها واقفل باب مجلس النواب في وجهها وفي وجه النواب على السواء…
ثم قام خلاف حول الاكثرية المطلوبة لانتخاب رئيس الجمهورية وهل هي اكثرية الثلثين في كل الدورات ام في الدورة الاولى فقط، وهو خلاف استمر ولم يحسم الا مع التوصل الى توافق على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية.
وها ان الاقلية المعارضة تثير لاول مرة صلاحية الرئيس المكلف تشكيل الحكومة وتعتبر ان ليس من حقه ان يعرض التشكيلة على رئيس الجمهورية، بل عليه ان يتفاهم عليها معه حتى اذا ما اتفقا صدرت مراسيم بها واذا لم يتفقا استمرت محاولات التشكيل او الاعتذار. واثارت المعارضة ما هو اخطر زيادة في تعقيد عملية التأليف، فأعطت حق تسمية الوزراء والحقائب للاحزاب والكتل وليس لرئيس الحكومة الذي له ان يوافق او يرفض لانه هو المسؤول مع حكومته امام مجلس النواب عندما يطرح الثقة بها، وليس على الاحزاب والكتل سوى حجب الثقة عنها او منحها اياها.
وينسى بعض من في المعارضة او يتناسون ان جميع الرؤساء المكلفين تشكيل الحكومة، كانوا يعرضون حصيلة مشاوراتهم غير الملزمة على رئيس الجمهورية ويقدمون له لائحة باسماء الوزراء في ضوء هذه المشاورات وعلى رئيس الجمهورية ان يوافق او يعدل فيها بالتفاهم مع الرئيس المكلف او يرفضها، وعلى سبيل المثال انه يوم قدم الرئيس صائب سلام تشكيلة وزارية للرئيس سليمان فرنجيه وعندما لم يجد فيها اسماء من يريد توزيرهم رفضها وقال له: "ان من حقي تشكيل الحكومة بموجب الدستور"، فاجابه الرئيس سلام: "لكن العرف يقول بان تتم عملية التشكيل بالاتفاق في ما بيننا"، فرد الرئيس فرنجيه بغضب: "ان الدستور اقوى من العرف". عندها اعتذر الرئيس سلام عن تشكيل الحكومة وصار تكليف الرئيس رشيد الصلح تشكيلها وضمت الحكومة اسماء بعض الوزراء الذين استبعدهم الرئيس سلام…