مَن يُريد ان يُخضِع مَن ويَكسر مَن ويُلغي مَن ؟
ادلى وزير الاتصالات في الحكومة المستقيلة جبران باسيل بتعليق الى وكالات اجنبية للانباء نشرته غالبية الصحف اللبنانية امس على اعتذار رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري عن عدم تأليف الحكومة الاولى بعد الانتخابات النيابية الاخيرة. ننشر بعض ما جاء فيه بغية التعليق عليه. ذلك انه يجافي الواقع والحقيقة في المطلق. علماً ان هذا التعليق لا ينطلق من انتماء الى فريق 14 آذار ولا الى اي طرف سياسي فيه كما لا ينطلق من انتماء الى فريق 8 آذار او من عداء له. وهما فريقان لنا الكثير من الاصدقاء داخل كل منهما ولا يمكن رغم الاختلافات معهما انكار دورهما في مصير الوطن ومستقبله وفي وضع سياساته واستراتيجيته. ماذا قال باسيل؟ قال: "فرض (الحريري) علينا شروطاً اخضاعية بينما نحن لا نؤمن الا بالشراكة والوحدة الوطنية. اذا كان هذا هو عنوان المرحلة المقبلة فلقد كَسَرْنا هذا العنوان من اوله حتى لا ننتقل من الغاء الى الغاء".
اما التعليق فيشير الى ان الوزير باسيل استخدم عبارة "اخضاعية" للايحاء ان الحريري وفريق الغالبية الذي يقود (14 آذار) والمحور العربي – الدولي الذي يدعمهما يهدفون الى اخضاع فريق 8 آذار وقائده "حزب الله" واستطراداً، وعلى نحو غير مباشر، المحور الاقليمي الذي يدعمهما والمؤلف حصراً من سوريا والجمهورية الاسلامية الايرانية. ومن يتابع الوضع اللبناني منذ اواخر 2004 بل منذ بدء الاغتيالات ثم خروج الجيش السوري من لبنان في ربيع2005 من لبنانيين وعرب واجانب معظمهم محايد ولا ينتمي الى اي من الفريقين او المحورين الخارجيين المتصارعين يخرج باستنتاج واحد هو ان "الايحاء" مُضلّل على نحو كبير. فبعد "انتصار" انتفاضة الاستقلال باستقالة حكومة الرئيس عمر كرامي ثم الخروج السوري، عمل فريق 8 آذار بشقيه المحلي والاقليمي بكل قوة لامتصاص الصدمة التي تعرّض لها بالتطورات المعروفة مستعملاً لذلك وضعه الشعبي المتين وكذلك وضعه "الوطني" (تحرير من اسرائيل) ووضعه العسكري (القوي) وكل الامكانات التي كان في وسع سوريا وايران توفيرها له. كما استغل الاخطاء الكثيرة التي وقع فيها فريق 14 آذار ونجح بعد سنة، وخصوصاً بعد احباطه حرب اسرائيل عام 2006 او بعد الحاق الهزيمة بها، في اعادة التوازن السياسي وغير السياسي مع الفريق الآخر بشقيه المحلي والاقليمي. بعد ذلك حاول 8 آذار بشقيه ايضاً تغيير ميزان القوى او بالاحرى توازنه الموقت لمصلحته. ونجح في ذلك ايضاً بحيث ان فريق 14 آذار هو الذي صار خائفاً من الاخضاع وليس العكس. والادلة على ذلك كثيرة. منها اقفال مجلس النواب وتعطيل فاعلية الغالبية النيابية فيه المنتمية الى 14 آذار.
ومنها تعطيل الحكومة او بالاحرى تعطيل انتاجها او تقليصه بعد انسحاب الوزراء الشيعة ووزير ارثوذكسي موال للرئيس اميل لحود منها.
ومنها التهديد بالعصيان المدني ثم الاعتصام الطويل في وسط العاصمة بيروت وممارسة شيء شبيه بالحصار على الحكومة والسرايا.
ومنها عملية ايار 2008 التي افهمت الجميع ان "المزح" مع 8 آذار بشقيه ممنوع، وان القدرة العسكرية التي لديه فضلاً عن المالية والشعبية من شأنها حسم الامور في البلاد لمصلحته، وإن مع شيء من الصعوبات او مع خطر سقوط البلاد في حرب اهلية او مذهبية.
ومنها تأخير انتخاب رئيس للجمهورية طوال ستة اشهر وعدم الموافقة على انجاز هذا الاستحقاق الا بعد اجتماع في الدوحة حليفة الحليفين الاقليميين لـ8 آذار اي سوريا وايران واتفاق المشتركين فيه على هوية الرئيس وعلى الحكومة الاولى في عهده وأحجام الفريقين فيها وعلى منح الاقلية الثلث المعطل.
ومنها عدم ايلاء رئيس الجمهورية المنتخب الثقة الكافية رغبة في ابقائه تحت الضغط والاختبار وذلك كي يشعر دائماً ان استمراره في موقعه رهن بموافقتهم الامر الذي يمنعه من المبادرة على اي صعيد. وهذا ما حصل.
ومنها بعد الانتخابات النيابية ورغم خسارته فيها، نجاح فريق 8 آذار بشقيه في الاحتفاظ بصيغة الثلث المعطل في الحكومة ولكن مموّها هذه المرة وبغطاء من الرئيس وفي فرض عدم حصول الغالبية النيابية على غالبية المقاعد الحكومية.
ومنها تعطيل تشكيل الحكومة على الاقل حتى الآن، رغم ان هذه الغالبية لا تنتمي اليه (اي 8 آذار).
الى ذلك حقق فريق 8 آذار بشقيه نجاحات اخرى يستعملها لاخضاع 14 آذار ابرزها على الصعيد الخارجي، منها مصالحة العربية السعودية وسوريا بشار الاسد وتفاهمهما على صيغة لحل ازمة لبنان الحكومية مناسبة للثانية وحلفائها اللبنانيين. ورغم فشل هذه الصيغة واكتشاف السعودية ان سوريا "لعبت" بها، فان التشاور بين البلدين سيستمر لأن الرياض تعرف انها لا تستطيع ان تحسم في لبنان وربما لا تريد ان تحسم فيه، ولأنها تعرف ايضاً ان لا حل او تسوية وان موقتة في لبنان تمنع الحسم على حلفائها الا بالعمل مع سوريا. ومنها ايضاً فك اوروبا العزلة الدولية عن سوريا، وبدء اميركا اوباما حوارها معها واستمرارها على قرارها الانخراط في حوار مع الجمهورية الاسلامية الايرانية، علماً ان الحوار السوري – الاميركي قد يكون خف زخمه لأن دمشق لم تبد استعداداً لتبادل تنازلات لا يمكن التوصل الى تسوية من دونها. ومنها ثالثاً ضغط اميركا على اسرائيل ومنعها اياها من توجيه ضربة عسكرية الى ايران. ومنها رابعاً، اقرار اعداء سوريا، بدءا باسرائيل ومرورا بالعرب وانتهاء بالدول الكبرى في العالم، بضرورة بقاء النظام الحاكم فيها لاسباب متنوعة يمكن التعبير عنها بكلمتين: التقاء المصالح.
بعد ذلك كله هل يمكن تصديق الوزير جبران باسيل عندما يقول انه كسر عنوان المرحلة المقبلة الذي هو اخضاع فريق 14 آذار بقيادة الحريري فريق 8 آذار ومن يمثل وما يمثل؟
وهل يمكن تصديق ما قاله من ان ما فعله وفريقه هو كي لا "ننتقل" من "إلغاء الى إلغاء". فاللبنانيون يعرفون صاحب العقلية الالغائية من حروبه عام 1989 وعام 1990. ويعرفونه من اصراره على الغاء اي تمثيل مسيحي خارجه وان باستعماله الوسائل المشروعة وغير المشروعة. ويعرفونه من اصراره على حليفه الشيعي لالغاء خصمه السني حفاظا على مصالحه.
لماذا هذا الكلام الآن؟
طبعاً ليس لتوجيه النقد الى الوزير باسيل وزعيم "تياره" العماد ميشال عون وفريق 8 آذار كله بقيادة "حزب الله".
وطبعاً ليس لاحباط فريق 14 آذار، وإن على نحو غير مباشر كما قد يفكر بعض الخبثاء. بل هو "لتبصير" اللبنانيين بان الاخضاع ليس وسيلة ناجحة لتوحيد البلاد وتجنيبها حرباً طائفية او مذهبية او لاستعادتها وطناً بعدما بقيت ساحة عقوداً من الزمن، وخصوصاً ان تنفيذه بنجاح لا يمكن ان يتم الا بمساعدة الخارج او بالأحرى الارتهان له. فالوسيلة الناجحة لاستعادة الوطن والكيان والدولة هي اعتراف اللبنانيين بعضهم ببعض واتخاذهم قراراً صريحاً بالعيش معا وبالبحث الجدي عن صيغة هذا العيش اذا كانت الصيغة الحالية لا تعجبهم. وهي ايضاً الاعتراف بالقدرات المحدودة للبلاد وباوضاعها المتردية، وتالياً وضع سياسة انقاذ بشقين داخلي وخارجي تأخذ ذلك في الاعتبار. وهي اخيراً تصرّف الحكام في البلاد بمسؤولية وطنية وبإقدام وجرأة لأن التاريخ لا يرحم، وخصوصاً الذين لا يبادرون انقاذاً لوطنهم رغم معرفة اللبنانيين بان ظروفهم صعبة.