#adsense

“بشير الجميل … تاريخ في رجل” – المقدمة: الجزء الثالث

حجم الخط

الحلقة الثالثة

كاد يمضي 21 يوماً من انتخابه رئيساً للجمهورية وكاد ينسي الناس اسماءهم ووجوههم وهمومهم وفرديتهم انصهاراً في لبنان الحلم. انه بشير الجميل من وجهة نظر عشاقه. أما بالنسبة إلى اعدائه فهو عميل اسرائيلي، دموي، قاتل، رئيس عصابة ثم ميليشيا منظّمة، سطا بالقوة على المنطقة الشرقية بذريعة توحيد البندقية، خاض معارك دموية ضد اصدقائه، صاحب مشروع الاستيلاء على السلطة، هدفه إقامة جمهورية مسيحية منعزلة. يحمّلونه مسؤولية اعدام 160 مواطناً لبنانياً مسلماً ذبحاً على الهوية في اليوم الذي عرف ب"السبت الأسود" في 6 كانون الأول 1975، وكذلك اغتيال طوني فرنجية وعائلته و32 شخصاً من اهدن في 13 حزيران 1978، وتصفية ميليشيا حزب الوطنيين الاحرار في 7 تموز 1980 وقتل عشرات المواطنين المسيحيين في بلدة الصفرا… وتطول لائحة الاتهامات.

لكن تلك الموضوعات الشديدة الحساسية لا يجوز التعاطي معها من خلال العناوين. فما عشناه كان حرباً طويلة، ظروفها قاسية، تكثر فيها التفاصيل والأحداث وتحتاج إلى التعمّق. وحتماً لن يكون منصفاً في حق شهادة بشير الاعتماد على ذاكرة صحافي ولد قبل بداية الحرب بأعوام قليلة، إذ كنت قد صممت على البحث عن وقائع عبر شهادات لرفاق وخصوم عرفوه جيداً في زمن مزدحم بالمحطات والمفاصل الضاغطة حتى حدود الاختناق. في زمن كان الوقت مخصصاً لاشعال الحروب وحفر القبور وتحصين الخطوط والحدود، وفي زمن لم يكن فيه مكان لحلفاء دائمين أو اعداء دائمين بل لمقاتلين ينتقلون من خندق إلى آخر ومن محور إلى آخر ومن محظور إلى آخر ومن سلاح إلى آخر. لم يكن من الفرص العادية التي تسنح في اي وقت وفي اي مناسبة ولا حتى في اي صدفة للكتابة عن بشير.

أكثرية الرفاق والخصوم تركوا الجبهات ومعظمهم انصرفوا إلى طموحاتهم الحياتية المشروعة، وبعضهم لا يزال يعيش في حمى الذكريات، وبعضهم الآخر لم تتعبه مرارة الأيام وخيبات الأمل ولم يفقد حسّ المقاومة والنضال ولا يزال مستمراً. لكل طريقه وخياراته، لكن كنت طوال سعيي الدؤوب والمنهك لجمع المعلومات والوثائق السرية وغير السرية، طامحاً إلى اكتشاف حقيقة بشير معتمداً على خلفيّتي المهنيّة الصحافية الموضوعية التي تشرّبتها من عملي اليومي في جريدة "النهار". ففتشت في أقبية ارشيف الصحف والمجلات والانترنت، ولم أوفّر وسيلة لكشف الستار عن ايّ التباس وعن الكثير من الاتهامات.

في الحقيقة، تطلّب مني انجاز هذا الكتاب عشرات المقابلات وبحوث عميقة في محاضر ومراجع قديمة وتمكنت من الحصول على أشياء لم تنشر سابقاً. وفي قراءتي الجديدة لبشير بعيداً من العوامل العاطفية والانتماء تكوّن لدي اقتناع ثابت بل راسخ بأنه شخصية آسرة فعلاً. لكن ما نعرفه عنه أقل بكثير مما لا نعرفه، لأن ظروف المرحلة التي عاشها كانت تقتضي ابقاء الكثير من المعلومات طيّ الكتمان، كما ان الرجل على أهمية دوره، لم يكن يستودع أسراره وكواليسه ومشاريعه واحلامه لدى شخص واحد أو لنقل رفيق واحد.

أعترف بأنني لم استطع ان أسبر أغوار بشير الاّ بعد جمع أجزاء عنه من جميع الرفاق، كل واحد بحسب اختصاصه. وللإنصاف، لا أدّعي حتى بعد انجازي هذا الكتاب الضخم، انني ادركت كل الحقائق عن بشير الجميل الرجل الذي بسط هالته على مسيحيي الشرق وبات محط آمالهم من منتصف السبعينات وحتى الثمانينات. لم يكن سهلاً عليّ كمؤلف ان اكتب بموضوعية عن القائد الذي رافق احلام طفولتي كمخلّص ومجوسي الأمة وقائدها التاريخي. لكنني بذلت جهداً كبيراً وحاولت ان اغلّب حسّي الصحافي والمهني على حساب عاطفتي متسلّحاً بوقائع ستشكّل مرجعاً اضافياً جامعاً.

بعد اعادة اكتشافي لبشير الجميل من موقعي كمؤلف، بقيت الأهداف التي سعى إلى تحقيقها محط نقاش وتحليل طويلين، فمنهم من سيصرّ على انه تحوّل من زعيم لمجموعة عسكرية ذات أهداف حصرية مسيحية إلى مستوى رجل دولة ذات أهداف وطنية، ومنهم من سيستمر في القول انه كان سينفّذ مشروع التقسيم. لكن بلا أدنى شك، وردت مؤشّرات عدة خلال تأليف هذا الكتاب تؤكّد التحوّل الكبير الذي حصل في فكره منذ لمع نجمه في السبعينات إلى ان ارتقى إلى سدة الرئاسة الأولى.

اقرأ الأجزاء الأخرى:   

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل