أقطاب أو تكنوقراط بالتوافق وإلا فاستعادة الصفحة السابقة بعد قلبها
توازن سلبي طويل المدى مع ضوابط أمنية بحكومة أو بدونها
تأخير تأليف الحكومة الى امد طويل وغير معروف، الأمر شبه الوحيد الذي يلتقي عليه جماعياً اركان في الاكثرية والمعارضة في هذه المرحلة، وان اختلفت الجهتان بقوة على تحديد أسباب التأخير ووصفها.
ثمة مستويان للازمة التي يمر بها لبنان للتعامل مع المعطيات التي تترجمها التعقيدات امام تأليف الحكومة. احد هذين المستويين يتعلق بالصورة الاكبر للوضع الداخلي، والآخر يتعلق بالتفاصيل المباشرة.
في الصورة الشاملة للوضع الداخلي يبدو ان نوعا من التوازن السلبي يفرض نفسه في حال استثنائية، يشبهها بعض المطلعين بالاوضاع التي عرفها لبنان خلال مراحل طويلة ابان الحرب عندما كان اللبنانيون يتعايشون مجددا مع انماط جديدة من الحياة السياسية اقرب ما تكون الى الاهتراء، فيقف لبنان على حافة الهاوية من دون ان يقع فيها، او كما يرى آخرون كلما اتجه لبنان اكثر نحو الهاوية وكاد ان يلامس قعرها وجد من يحفر له نحو العمق اكثر ليبدو القعر ابعد فيخيل اليه ان هناك مسافة للوصول الى هذا القعر.
وهذا التوازن السلبي مرشح، في رأي هذه المصادر المطلعة، لأن يدوم لا بل ان يستقر من ضمن قواعد العمل السياسي القائم راهنا، أي بوجود ضوابط تمنع تفلت الامور على الصعيد الامني، أو حصول تغيير في طبيعة التدخلات الخارجية وتأثيراتها في الوضع الداخلي، وكذلك تأثيرات الداخل في الوضع الخارجي وما شابه في ما يتصل باستمرار المحكمة الدولية وكل الامور المتعلقة بها، فضلا عن الرسائل التي توجه من الجنوب كتلك التي انطلقت قبل يومين عبر صاروخين من بلدة القليلة ورد اسرائيل عليهما بقصف المنطقة نفسها.
ولا تعتقد المصادر ان النجاح في تأليف الحكومة العتيدة سيؤدي الى تغيير واقع هذه الامور الى حد كبير، اي الى تغيير في قواعد اللعبة. مع فوارق بسيطة جدا قد تتصل بامكان اجتماع الحكومة لاتخاذ بعض القرارات غير الرئيسية او اجتماع مجلس النواب المعلقة اعماله بسبب عدم تأليف الحكومة حتى اليوم . فهذه الخطوط العريضة للوضع هي بمثابة الأساسيات التي تحكم الوضع في حالة طبيعية في المبدأ وغير طبيعية من حيث الواقع.
وفي التفاصيل المباشرة التي تتناول المراحل او الخطوات التي ستنطلق الاسبوع المقبل باستشارات ملزمة يجريها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من اجل تسمية رئيس للحكومة، ترى مصادر وزارية معنية ان الافرقاء السياسيين سيدخلون من جديد مرحلة مماثلة الى حد كبير للمرحلة التي سبقتها، فيكون الامر كما لو اننا قلبنا الصفحة، ولكن بقي الجميع من ضمن الفصل نفسه. فالتكليف سيعود الى زعيم الغالبية النائب سعد الحريري، والى الاطار نفسه من التوافق او الصيغة الحكومية، ولكن مع فوارق بسيطة قد يكون من بينها الدخول عمليا في مرحلة جديدة من البحث عن المخارج، ومن بينها ايضا اختلاف وتيرة العمل والمتابعة على نحو يشبه الى حد كبير انطلاقة طاولة الحوار الوطني، بحيث تحركت وفق وتيرة معينة من الاجتماعات المتقاربة قبل ان تتباعد مواعيد الاجتماعات على الطاولة لشهرين او اكثر، مما يرجّح على نحو كبير ان تكون الاجتماعات والمشاورات متباعدة بما يمكن ان يطرح مجددا احتمال ان تعود حكومة تصريف الاعمال الى الاجتماع من اجل تصريف شؤون المواطنين او السعي الى طريقة اخرى لتأمين ذلك وفق البدائل التي تعتبر افضل الممكن في هذه الحال .
وفي هذه النقطة لا يبدو ان ثمة اسما بديلا من الحريري لرئاسة الحكومة لكون الغالبية ترجح في التسمية، بما يعني ان تسمي الحريري او من تختاره هي، مما يعني ان الامور ستبقى في الاطار نفسه. وفي حال قرر الحريري عدم تكليفه مجددا قد يكون لبنان امام ازمة من نوع آخر. واي خيار آخر يبدو مستبعدا لأنه يعني تسهيل الحريري والغالبية معه وصول البلاد الى معادلة رفضت التسليم بها، اي ان تكون للمعارضة الحق في فرض شروطها وقواعدها السياسية. ولا يبدو واردا ايضا وضعه اي شروط مسبقة لاعادة تكليفه. اذ ان الاكثرية لم تدخل في هذه الدائرة حين انتخبت الرئيس نبيه بري مجددا لرئاسة مجلس النواب، ولم تفعل الامر نفسه حين سمت الحريري ابان الاستشارات الملزمة السابقة التي اجراها الرئيس ميشال سليمان. ولم يطلب الحريري وفق ما تفيد المعطيات، اي شروط مسبقة وهو قال في اليومين الاخيرين انه قام بما لديه من باب السعي الى حكومة وحدة وطنية. ولم يقل مجددا باي نوع من الحكومات يحتمل ان يأتي، مما يعني انه يبقي الخيارات مفتوحة ولكن ليس وفق شروط مسبقة .
ومسألة الخيارات المفتوحة هي الشق الآخر من التفاصيل المباشرة في مجموعة الاحتمالات التي تفيد باحتمال ان يدخل الرئيس المكلف الحريري بعد التكليف في مقاربة مختلفة لموضوع الحكومة، وحده او بالاتفاق بينه وبين رئيس الجمهورية من اجل فك العقد الحكومية على اساس اللجوء الى حكومة اقطاب او حكومة تكنوقراط.
وما يفسح في المجال امام هذين الاحتمالين دخول رئيس الجمهورية مباشرة على خط العمل من اجل احداهما، انطلاقا من ان منطق اي من هاتين الحكومتين مبني على ان هناك عملية تأسيسية للنظام تحتاج الى امر استثنائي للخروج من الازمة. اذا تألفت حكومة اقطاب فستكون اشبه بطاولة الحوار، ويكون مجلس الوزراء مماثلا لها الى حد بعيد. واذا كانت حكومة تكنوقراط فان ثمة اتفاقا ضروريا على انها لادارة الامور غير الرئيسية وغير الاستراتيجية على غرار موضوع سلاح " حزب الله" او الاستراتيجية الدفاعية باعتبارهما موضوعا واحدا او اثنين مطروحين للحوار انما خارج طاولة مجلس الوزراء، وهذه المقاربة تحتاج الى ان يقتنع بها الرئيس سليمان ويحاول ان يقنع الاطراف بها باعتبار ان الظرف الاستثنائي يفترض البحث عن مخارج استثنائية مبنية على التوازن والتوافق على ان تكون المقاربتان من ضمن حل وفاقي. ويُعتقد في هذا الاطار انه اذا اتاحت احدى هاتين المقاربتين توازنا مستمرا، انما افضل نوعيا من التوازن القائم، فربما يقبل الافرقاء بالدخول في احداهما.
ولكن ماذا عن التأثيرات الخارجية التي يتحدث عنها الجميع، كل من زاويته؟