حراسة الجنوب
ماذا لو أن صواريخ الجنوب الاخيرة انطلقت بعدما تشكلت الحكومة الجديدة ولم يعتذر الرئيس سعد الحريري عن عدم انجاز مهمتها؟
الجواب ببساطة هو ان شيئاً لن يتغيّر قياساً بتجارب سابقة هذه السنة عندما كانت هناك حكومة انتجها اتفاق الدوحة فانطلقت الصواريخ في كانون الثاني وشباط المنصرمين حيث جرى تسجيل مواقف ابرزها وقتذاك ما قاله الرئيس ميشال سليمان من ان الجنوب "لن يكون منصة"، ومع ذلك لم تتحقق ارادة رئيس الجمهورية.
واليوم، وفي ظل ازمة تشكيل الحكومة، تقتحم الصواريخ "ذات المصدر المجهول" المشهد اللبناني مصحوبة بتكهنات حول ارتباطها بالنزاع الايراني – الدولي. وربما غداً تنطلق صواريخ "مجهولة" ايضاً على خلفية امتعاض سوري من عدم زيارة المبعوث الاميركي السناتور جورج ميتشل دمشق وعزمه على زيارة بيروت. ان كل شيء وارد ما دام ان الجنوب بحكومة او بلا حكومة، ما زال المكان المفضّل لاصحاب الرسائل الذين اقفلت في وجههم مراكز بريد المنطقة باستثناء بعض منها وفي مقدمها الجنوب اللبناني.
هل كان ليحصل ما يحصل، وهذا سؤال افتراضي يقترب من الخيال، لو ان "حزب الله" قرر ان يكون فعلاً حارساً للجنوب لا للحدود، حيث يكره ان يطرح عليه احد هذه المهمة ما دامت تعني حراسة امن اسرائيل؟
بالتأكيد ان الصواريخ لن تبقى مجهولة لو اراد "حزب الله" ان يكشف سرها. وهو الذي اقام الدنيا ولم يقعدها عندما حاولت القوة الدولية ان تقترب من مخزن سلاحه في خربة سلم بعدما تبيّن ان اخفاء امرها لم يعد مستطاعاً. وعلى امتداد الجنوب، سواء في شمال الليطاني او جنوبه، يمارس الحزب كل فاعلية ويتحضر ليس لمراقبة المكان بل لتحويل المكان مسرحاً لمواجهة اسرائيل وهي مهمة ينوء بها "جبابرة" المنطقة ولا سيما سوريا وايران البلدين اللذين يمثلان "حبل السرة" لهذه المنظمة الاهلية.
انه سؤال افتراضي لن يصل الى جواب ما دام "حزب الله" وقف سداً منيعاً امام القرارات الدولية والحوارية اللبنانية التي طالبت بنزع الاسلحة التي لا تعود الى السلطة الشرعية. وهو قال بلسان امينه العام صراحة، عشية حرب مخيم نهر البارد، ان خطاً أحمر يحول دون إنهاء امارة "فتح الاسلام". لكن رغبته لم تتحقق، وسقطت الامارة. الا ان ذلك لن يعني ان سائر الخطوط الحمر، وهي كثيرة، ستسقط ما دامت تعني بقاء سلاح الحزب بعيداً من اية مساءلة الى ما شاء صاحب السلاح.
العودة من عالم الافتراض الى عالم الواقع تضع لبنان عموماً وجنوبه خصوصاً في حماية الحراسة التي يوفرها الجيش و"اليونيفيل", وهي حراسة ذات شأن مهما تكن التجارب مخيبة للآمال احياناً. واذا كانت هناك سهول ووديان وكهوف خارج الاهتمام، فقد صار لزاماً ان تنظم بها لائحة لتكون في عناية قوى القرار 1701.
اما الحكومة الآتية بلا ريب، بعد اجتياز سباق الحواجز، فيجب ان تلحظ في بيانها الوزاري الذي لم يكتب بعد "رفض تحويل الجنوب منصة لاطلاق الصواريخ" والزام الجهات التي ينتمي اليها الوزراء تقديم كل الامكانات المتوافرة بحوزتها لتحقيق هذا الهدف. وإلا فما معنى ان يتحلّق حول طاولة مجلس الوزراء اعضاء ينتمون الى حزب مدجج بالصواريخ والى جنرال يتفوق على الماريشلات في التنظير العسكري اذا لم يقدموا هذه المساهمة التي يفترض ان تكون من صلب اختصاصهم؟
ليكف هؤلاء عن التلهي بعناوين "المشاركة" و"الوحدة الوطنية" ووزارة الاتصالات، وتوزير الاصهار والانسباء في الوطن والمهجر، وليعطوا الوطن مرة واحدة ما يعود الى وظائفهم الاصلية.