#adsense

لبنان يواجه حكم زعماء الطوائف غير المستقر

حجم الخط

بعد تعطيل النظام الديموقراطي وتراجع الشعور الوطني
لبنان يواجه حكم زعماء الطوائف غير المستقر

هل بات الوضع الشاذ الذي يعيشه لبنان منذ سنوات يؤكد قول من قالوا "إن لبنان خطأ جغرافي" وانه غير قابل للحكم وان ليس في استطاعة ابنائه ان يحكموا انفسهم بانفسهم وانهم في حاجة الى وصاية، وهذا يذكر بقول البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في افتتاح الدورة السنوية لمجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في 29/11/1992: "إن الذين يقولون بعجز اللبنانيين عن تدبير شؤونهم بذاتهم كأنهم قاصرون وبضرورة ابقاء الوصاية عليهم خوفا من ان يعودوا الى الاقتتال، انما يرمون الى الاحتفاظ بمواقعهم على حساب الديموقراطية الصحيحة التي تتيح للشعب ان يولّي السلطة من يراه اهلا لها وينزعها منه عندما يرى انه اساء التصرف بها"؟

يقول وزير مخضرم إن اللبنانيين وزعماءهم سجلوا تراجعا في ممارسة النظام الديموقراطي وفي احترام احكام الدستور، وفي عدم جعل الدولة قوية على كل من يحاول الاستقواء عليها، لا بها، وقد انحسر الشعور الوطني امام نمو الشعور المذهبي. فلو ان الانتخابات النيابية التي اتت بالاكثرية كما كانت تأتي بها الانتخابات في الماضي لما كان ثمة مشكلة في انتخاب رئيس للجمهورية ورئيس لمجلس النواب وتشكيل حكومة كما هو حاصل اليوم لأن لبنان اعتمد منذ الاربعينات حتى السبعينات قاعدة الاكثرية تحكم والاقلية تعارض الى ان تصبح اكثرية، فينتقل اليهم الحكم. وعندما كانت تجري محاولة لتشكيل حكومة ائتلافية وتسمى اليوم خداعا "حكومة وحدة وطنية" كان للاقلية المعارضة مطالبها بما فيها تسمية الوزراء والحقائب، فاذا استجيبت هذه المطالب تشكلت الحكومة، واذا لم تستجب تشكلت من دون الاقلية المعارضة او مع بعض من يقبل منها بالحصة المحددة له.

هذه القاعدة الديموقراطية التي كان لبنان يُحكم بموجبها تغيرت وباتت الاقلية المعارضة تفرض مطالبها وشروطها على الاكثرية وتختار هي اسماء وزرائها والحقائب، وتريد تشكيل حكومة "وحدة وطنية" بالاكراه، واذا لم تستجب مطالبها فانها لا تهدد بحجب الثقة كما تقضي الاصول، وبمحاسبة الحكومة على اعمالها، انما تهدد بالشارع وكأن لا مؤسسات دستورية تعمل كي يكون الاحتكام اليها. ولم تعد المعارضة تقوم بدورها الطبيعي داخل مجلس النواب بل بدور غير طبيعي داخل الحكومة وتعطل قرارات الاكثرية…

ويضيف، الواقع ان لبنان انتقل من الحكم الوطني المستقر الذي كانت تفرزه نتائج الانتخابات النيابية الى حكم الطوائف الذي لا يأخذ بهذه النتائج، بل يأخذ بسياسة "الشراكة" التي تجمع الاكثرية والاقلية في حكومة واحدة، وذلك كمن يجمع الزيت والنار خصوصا عندما لا يكون برنامج واحد ورؤية مشتركة تجمع بين الاكثرية والاقلية… ومثل هذا الحكم لن يكون مستقرا ولا منتجا، بل غالبا ما يكون مشلولا وهو ما شهده لبنان في السنوات الاخيرة عبر حكومات سميت حكومات "وحدة وطنية" ولا شيء يجمع بين اعضائها سوى تحويل"المشاركة الوطنية" الى مشاكسة طائفية ومذهبية حالت دون اجراء تعيينات ضرورية لملء المراكز الشاغرة في وظائف الفئة الاولى، الامر الذي اثر سلبا على سير عجلة الدولة. ومشروع الموازنة، الذي تنبغي مناقشته في ضوء مصلحة الخزينة، نوقش في ضوء المصالح السياسية والانتخابية.

إن الاقلية المعارضة لو انها كانت عاقلة وتقدم مصلحة البلاد على كل مصلحة، ولا يسيرها الخارج ويجعلها تستقوي به على الاكثرية، لا بل على الدولة نفسها، لكانت لجأت الى ما كانت تلجأ اليه المعارضة في الماضي ليس في لبنان فحسب بل في كل الدول التي تعتمد النظام الديموقراطي وتطبقه تطبيقا صحيحا، فتعرض مطالبها على الرئيس المكلف تشكيل الحكومة، فاذا صار تفاهم عليها تشكلت من اكثرية واقلية متفاهمة خصوصا على المواضيع الاساسية التي يتطلب بتها وجود مثل هذه الحكومة، واذا لم يحصل هذا التفاهم، فانها تبقى عندئذ في المعارضة للمحاسبة والمراقبة، حتى اذا كانت بناءة استطاعت ان تصبح اكثرية لتحجب الثقة عنها.

لكن معارضة اليوم التي لم تعد بناءة كمعارضة الامس تصر على المشاركة في الحكومة بالقوة والاكراه وتخيّر الاكثرية بين القبول بشروطها ومطالبها حتى التعجيزية منها، وإلا فلا حكومة بل فراغ قد يفتح ابواب الفوضى السياسية والامنية ويعرض الوضع الاقتصادي والمالي للانهيار، وتعتبر من جهة اخرى أن تشكيل حكومة من الاكثرية فقط ضربا من الجنون وتهديدا للعيش المشترك وللميثاق الوطني وحتى للسلم الاهلي. وهو ما فعلته في الانتخابات الرئاسية عندما لجأت الى تعطيل نصاب الجلسات مدة ستة اشهر لتحول دون انتخاب رئيس للجمهورية من الاكثرية او ممن تؤيده، الى ان تدخل الخارج وفرض في مؤتمر "الدوحة" تسوية مخالفة للنظام اللبناني وللدستور.

ولا تزال المعارضة مستمرة في نهجها هذا، رغم اعترافها اللفظي بنتائج الانتخابات التي اعادت الاكثرية اكثرية لأن ما هو مطلوب منها هو التعطيل ليس الا، ولو لم يكن الامر كذلك لما كان الاصرار على توزير صهر العماد ميشال عون او لا احد… ويتضامن معه "حزب الله" رغم عدم اقتناعه بذلك.

الى ذلك، بات على اللبنانيين وزعمائهم ان يختاروا بين العودة الى النظام الديموقراطي الذي تحكم الاكثرية بموجبه والاقلية تعارض، او ان يبدلوا هذا النظام بنظام آخر يسمى "توافقي" وهو في الحقيقة والواقع طوائفي يكون الحكم فيه لكل المذاهب والطوائف، ويكون حكما غير مستقر وفي حاجة الى خارج يحافظ على التوازن فيه ويحفظ الامن ويمنع الاقتتال. مع ان كثيرين يسلمون بالقول إن النظام الطائفي ينتج دولة ضعيفة، ويعجز عن اقامة دولة قوية قادرة، ومثل هذه الدولة الضعيفة تظل في حاجة الى خارج يسندها او الى خارج يتدخل في شؤونها وقد يكون هذا هو المطلوب، ما دام اللبنانيون لا يعملون بقول الزعيم الراحل حميد فرنجيه الذي لخص مفهومه للوحدة الداخلية والميثاق الوطني في جلسة مجلس النواب بتاريخ 29 آب 1957: "إن الشر يصبح خيراً عندما يتفق عليه اللبنانيون والخير يصبح شراً عندما يختلفون عليه".

المصدر:
النهار

خبر عاجل