#adsense

وأخيراً… موقف قرينة ؟

حجم الخط

وأخيراً… موقف قرينة ؟

لم تطلق قوى المعارضة المنتظمة بتراصف شديد التماسك في مواجهة الغالبية وزعيمها المعتذر عن تشكيل الحكومة موقفاً يثبت القرينة الدامغة على انها غدت معارضة للنظام وليست من ضمن النظام بمثل الموقف الصريح والواضح الذي اعلنه قبل يومين الرجل الثاني في "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم محدداً "رزمة الشروط الجديدة أمام اي رئيس حكومة مكلف.

جوهر هذا الموقف، الذي يقول بأن الحكومة ليست جائزة لنتائج الانتخابات، ليس الاجهاز على قاعدة الاكثرية والاقلية فحسب بل تقديم مسألة ازمة النظام الى مقدم الاولويات المزمنة والطارئة وربط الاستحقاق الحكومي بها. وهنا تكمن الايجابية اليتيمة في الازمة الحكومية، اذ حان الوقت لمرة للحصول من المعارضة على اعتراف مدوٍ كهذا بأن مقصدها الفعلي هو الطائف والنظام وليس السلطة وحدها.

يرفع هذا الموقف النوعي لـ"حزب الله" الازمة واقعياً الى مستوى "خلاف ثقافي" مع قوى الغالبية و14 آذار ولا يبقيه في اطار الانقسام السياسي فقط. فالرؤية التي يطرحها بازاء تكوين السلطة التنفيذية في معزل عن تكوين مجلس النواب ليست مفاجئة من حيث ترجمتها لمقولة التمييز بين الاكثرية النيابية والاكثرية الشعبية التي سارع الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله الى التذكير بها غداة الانتخابات النيابية الاخيرة. غير ان ما يتعين رصده ومعاينته بجدية تامة هو ما يمكن ان يضمره هذا المفهوم من اقتناع متأصل بأن الديموقراطية البرلمانية، التي هي هيكل النظام اللبناني واساسه وعموده الفقري، قد اسقطت تماما من ثقافة قوى المعارضة او القوى "القاطرة" لها على اقل تقدير.

هذا المفهوم يوازي واقعياً اسقاط كل الاجراءات الدستورية للتكليف والتأليف ويحيلها طقوسا شكلية لا لزوم لها، ما دام منطق الاكثرية والاقلية قد زال في ممارسات المعارضة وسياساتها وحل مكانه نمط آخر متراكم منذ اطول اعتصام في تاريخ لبنان لهذه القوى في وسط بيروت، وهو مفهوم يتمدد الى طرح سؤال مفزع فعلا: لماذا تجرى الانتخابات في لبنان إن قيض لهذا النمط ان يرسم مسار "النظام البديل"؟ واقع الحال ان وظيفة الانتخابات في هذا السياق ستؤول حتما الى ما يشبه الانتخابات في الانظمة الديكتاتورية، مع فارق انها ستتحول استفتاءات شكلية لتجديد البيعة للقوى الحزبية والطوائفية داخل ساحاتها ومناطقها وشوارعها، اما مفعول الغالبية والاقلية فآيل الى اندثار في المؤسسات وفي تداول السلطة.

والمفارقة اللافتة في هذا المفهوم هي انها ترتد موضوعياً بأثر غير مرئي على الحليف الاكبر والاول لـ"حزب الله" العماد ميشال عون. ذلك ان زعيم "التيار الوطني الحر" يخوض المواجهة المفتوحة مع الغالبية على قاعدة انه "الاكثري" الاول في المعارضة ورئيس ثاني اكبر الكتل في المجلس بعد سعد الحريري. اذاً منطلق معركته مع الغالبية هو النظام ولو بتفسيرات واجتهادات وسياسات وانماط خاصة به، وقاعدة المواجهة التي يختطها لنفسه هي انه "اكثري" يقارع "الاكثرية".
هذه القاعدة لا تستقيم اطلاقا مع مفهوم الغائي كامل لنتائج الانتخابات، بل ان مفاعيل الالغاء سترتد حكما على كل منطق لا يزال يستقي "مشروعيته" من الانتخابات والتمثيل النيابي.

ولذلك يكتسب موقف الشيخ نعيم قاسم ذروة اهميته وذروة خطورته في آن واحد. فهو يطرح للمرة الاولى بهذا التجرؤ ازمة النظام بما يرتب على الغالبية وكذلك على حلفاء الحزب وفي مقدمهم العماد عون حسم الاتجاهات الحقيقية من مصير الديموقراطية البرلمانية وركائزها المثبتة في اتفاق الطائف والدستور وعدم الدوران الفارغ في دوامة عبثية على غرار تلك الدائرة الآن في الحلقة الثابتة من الازمة الحكومية. ولعله ليس من المغالاة فعلا ان يلامس مفهوم تجاوز الانتخابات واسقاط نتائجها اخطر ما يمكن ان يثار في هذا السياق، وهو قضية "الوحدة الدستورية" التي هي خط الدفاع عن الوحدة اللبنانية قاطبة. فشبهة الفيديرالية اللبنانية لم تعد مجرد كوابيس ما دامت كل ازمة وكل جولة تبرز اتساع الفوارق في المفاهيم الى هذا المستوى من "الانقسام الثقافي"، ولو لم يعترف به احد. ولو سلم الحريري "بالشراكة الفيديرالية" وتثبيت الحقائب للقوى "الكانتونية" لكانت "حكومة الوحدة" المولود السعيد للنظام البديل "المتحرر" من "بدعة" الانتخابات !

المصدر:
النهار

خبر عاجل