الحلقة الرابعة
ولا بد من تحديد مراحل بشير على ضوء المعطيات التي توافرت لي بعد انجازي هذا البحث.
بين عامي 1969 و1973 كان ذلك الشاب الثائر على الوضع القائم في الدولة وهو يراقبها تذوب امام نمو الفصائل الفلسطينية وصعودها. كان يؤلمه كثيراً التعاطف الأعمى من بعض اللبنانيين مع الفلسطينيين على حساب الوحدة اللبنانية والتعايش المسيحي- الاسلامي، لذا كان من أشدّ المعارضين لإتفاق القاهرة. فمن جهة، شارك بشير في معارك عام 1969 وخصوصاً الاشتباكات بين الكتائب والفلسطينيين في الدكوانة، ومن جهة أخرى أغاظه الأقربين من الرعيل القديم في الكتائب قبل الأبعدين إذ لم يأخذوا الحوادث على محمل الجد ولم تشكّل بالنسبة اليهم ولا حتى أي ضوء أحمر أو انذار. رأى بعينيه المجردتين انه اذا استمرّت الأوضاع على هذا المنوال، لا بد من ان تؤدي إلى الانفجار الكبير. وتألم أكثر عندما شاهد كيف تقمع وتجهض انتصارات الجيش اللبناني في مطلع السبعينات ومنتصفه ويحتجز في الثكنات خوفاً عليه من الانقسام. كل ذلك، ساهم في ولادة فكر شبه عسكري لديه. لكنه لم يكن يملك خطة عسكرية ولا حتى النضج الكافي كي يقرأ حيثيات الحال السياسية، الاّ انه بحدسه السياسي، عرف ان الوطن سائر نحو الاندثار بمباركة اقليمية ودولية وضلوع محلي حتى العظم. مع ذلك، فوجئ بتوقيتها، وعندها لم يكن لديه القرار والجهوزية الكاملة للمواجهة.
لم يكن آنذاك مؤثّراً في اللعبة السياسية داخل البيت الكتائبي وخصوصاً في ظلّ والده بيار الجميل القاهر والقادر على انتهاز سياسات لا تتلاقى بتاتاً مع طموحاته كشاب بفكر سياسي ثائر ومتجدد.
لحظة وقوع حادثة بوسطة عين الرمانة وبدء قرقعة السلاح، كبر بشير فجأة وتكوّن في داخله فكر "إسبارطي" قام على عسكرة المجتمع المسيحي. لم يكن هذا الفكر يشبه ما كان في داخله، الاّ انه كان ضرورياً في تلك المرحلة، فاستطاع بغريزته السياسية ورؤيته الصحيحة ان يقوم بعملية دفاع لصون حدود ما رسم للمسيحيين من مناطق أو المنطقة التي أطلق عليها اسم "الشرقية". فقضى الأمر بتنظيفها من الجيوب الفلسطينية مع كل الدماء التي سالت. لم يرضه الاداء البطيء في حزب "الكتائب"، وكان لا بد من سلوك طريقاً صعباً للوصول إلى القمة، فأسّس "القوات اللبنانية" وكانت لديه الجرأة بأخذ ما يفيده من "الكتائب" وترك ما لا يفيده. كان مقاتلاً في بعض المحطات لا يتوقّف عند قوة اعدائه، وحاسماً في محطات أخرى لا يحسب فيها حساباً لأيّ حساسيات أو حدود أو ضوابط. لكنه في الحالين، كان قائداً يعرف ان خصومه لم يكونوا أقل قسوة في ما فعلوه أو أقل عناداً في ما آمنوا به. ولم يكونوا بالتالي العدوّ الذي يرد على النار بالورود، ولا العدو الذي يقارع عدوّه بغير منطق العنف والحسم والغلبة، فخاض حروبه بما تقتضيه الحروب، لم يكن نعجة بين الذئاب ولا مبشّراً بين الجلاّدين ولا هائماً بين الألغام، بل الرجل الذي يؤمن بأن الانتصارات الكبيرة تحتاج إلى قرارات كبيرة، وان القضايا الكبيرة تحتاج إلى تضحيات كبيرة.
حتى عام 1980 كان الشاب الذي يسمع عنه الناس لا الشاب الذي يعرفونه، وكان بنظر كثيرين القائد الذي لا يرحم ابداً ولا يتراجع امام أحد بل "الحوت" العسكري الذي يبتلع حلفاءه قبل اعدائه، والسياسي الصغير الذي يتقدم السياسيين الكبار ليصبح الميليشياوي الذي يصنع القرار لا الجندي الذي ينفّذ قرار الآخرين.
كان مقتنعاً بأن "التفرّج" على خصومه وهم يتلقون الدعم العسكري والمالي والاعلامي من الكتلة السوفياتية ودول الرفض في العالم العربي إلى جانب بعض دول الخليج لن يقوده الاّ إلى الهزيمة الحتميّة، معتبراً وفق قراءة متأنية، أن الأمر بات يحتاج إلى نقلة خطيرة لا بد منها لإعادة التوازنين السياسي والعسكري إلى المعادلة اللبنانية، فأوفد من يطلب السلاح من اسرائيل التي كانت ترى في الاستنزاف الفلسطيني في لبنان، مصدراً للارتياح، واوفد من يطلب الدعم السياسي من واشنطن التي كانت ترى في المقاومة اللبنانية متراساً يمينياً في مواجهة التطرّف العربي من جهة والتوسّع اليساري من جهة أخرى. وهو ما ادّى تدريجاً إلى تحوّل "القوات اللبنانية" من حيث تشاء او لا تشاء إلى كتيبة من "جيوش" حلف شمالي الاطلسي في مكان وواحدة من حلقات المنظومة الدولية- الاقليمية في مكان آخر.
بعد معركة زحلة الشهيرة عام 1981 بدأت مرحلة "أثينا" في فكر بشير، وبدأ يراوده حلم رئاسة الجمهورية والانفتاح على المسلمين، فتقرّب من النخب الثقافية والانتلجنسيا اللبنانية وذوي الاختصاص، وكوّن فريق "غاما" وتسارع في ذهنه مفهوم بناء دولة على مفهوم اللادولة. وفي ذروة قوّته ونفوذه، انتظر منه الجميع اعلان دولة لبنان الحر المسيحية، جغرافياً وبشرياً، الاّ انه خذل المراهنين على التقسيم واحبط المشككين ونادى بالـ10452 كيلومتراً مربعاً والتعايش المسيحي- الاسلامي من دون مساومات. قد تكون فكرة الوطن المسيحي طرأت في ذهنه في الظروف الضاغطة ولحظات الضعف والخوف وطلعات الحرب ونزلاتها، الاّ انه استشهد وهو رئيس كل لبنان وليس لجزء منه، استشهد وهو محط انظار المسلمين قبل المسيحيين، استشهد وهو يعلن بالفم الملآن لا للاحتلالين السوري والاسرائيلي، استشهد والدوائر الرسمية في الدولة تسير بإنتظام وبحسب الأصول.
مهلاً مهلاً… لا بد من انني أغفلت ذكر لقاء آخر مع بشير كنت أفضّل ان لا يكون لأنه سبّب لي ولجميع أفراد الشعب اللبناني وخصوصاً المسيحيين منهم جراحاً لا تندمل. ففي ليلة عيد الصليب، كنت أقف على شرفة منزل أحد الأصدقاء في الأشرفية والهدوء يعمّ المنطقة، فجأة دوى انفجار "مضغوط" ترددت اصداؤه في الأشرفية والمناطق المجاورة، ليروّج بعد دقائق قليلة، ان ما سمع لم يكن الاّ قارورة غاز انفجرت في الجوار!
لا شيء كان يخيفنا نحن جيل الحرب، فبقينا على الشرفة، نتطلع إلى الأفق لنستطلع ما جرى وما هي الاّ ثوان حتى تصاعد دخان من تلّة الأشرفية وعرفنا انها ساحة ساسين، وسرعان ما بدأت الأخبار تتوالى عن تعرّض الشيخ بشير لعملية اغتيال. وبين آمال وحلم بأن يكون قد نجا وبين واقع استشهاده، تسمّرت عيني على عمود الدخان اتأمل به دامعاً بل باكياً متوجّساً بحدسي ان المشهد سيتكرر لأن بطل قصص الطفولة وأساطيرها غاب، فأخرستني الصدمة، لكنها أنضجتني على نحو كاف لإنتقل من عالم الأساطير والروايات إلى واقع يكاد يتحوّل بدوره تاريخاً مجبولاً بالدماء والقهر والدموع.
ولا أنسى يوم استشهد بشير، سمعت من يقول عنه بحزن وأسى:"لن يأتي رجل مثله الاّ بعد مئة عام". وفي كتب التاريخ يقال ان الشعوب لا تعرف قائداً عظيماً الاّ مرة كل مئة عام، فهل تصدق مقولات التاريخ؟ وإلى متى الانتظار؟