بعد 41 سنة !
صباح الأحد 29 كانون الاول 1968، صبيحة اليوم التالي لهبوط مظلييّن في مطار بيروت ونسفهم 13 طائرة سياحيّة، وتحت عنوان "اما العرب وفلسطين وأما اسرائيل"، كتب ميشال أبوجودة في عموده اليومي الذي تجاوزت شهرته الحدود والمنطقة والبحار السبعة:
"مع مرور كل يوم أكثر من يوم، ومع كل حدث من الأحداث تبدو أزمة الشرق الاوسط أكبر من جميع الفرقاء. الى حد أن الدول الكبرى نفسها تتصرَّف وكأنها عاجزة بالفعل ليس فقط عن حل الأزمة، بل أيضاً عن منع تدهور الموقف من حين الى آخر، ومن سيّىء الى أسوأ.
ومع اقتراب موعد التبدُّل المنتظر في الرئاسة الأميركيَّة يزداد الشعور انه حتى الولايات المتحدة – ومعها الاتحاد السوفياتي على سبيل الأفتراض – لن تتمكن من حل الأزمة.
أو بالأحرى لا يبدو حتى الآن كيف يمكن أن تُحل الأزمة.
ومع ذلك يكتب الرئيس الجديد للوفد الأميركي في الامم المتحدة المستر تشارلز بوست – وقبل تعينيه – ان الزمن ليس في مصلحة أحد. لا في مصلحة العرب ولا في مصلحة اسرائيل. لا في مصلحة الاتحاد السوفياتي ولا في مصلحة أميركا …".
وها هو الزمن يوافق ميشال أبوجودة، بعد إحدى وأربعين سنة، ويعيد طرح الأسئلة ذاتها. وعلى الجهات ذاتها، مضافاً اليها البلد الذي حطَّت الأزمة الأم رحالها في ربوعه، وشرّعت حدوده وأرضه وأبوابه ونظامه وصيغته.
ولا تزال تتناسل وتتناسخ، وتشبك الداخل مع الخارج. وتخلط اللبناني بالعربي والأيراني والتركي والأميركي والروسي والاوروبي.
وبعد عقود أربعة، وبعد حروب لا تحصى داخل لبنان وعلى تخومه وفي أجوائه ومياهه، وصولاً الى البنى التحتيَّة، ما زالت الأزمة الأم تبحث عن حل. وما زالت الأزمات المتفرعة عنها في لبنان والعراق واليمن والأراضي الفلسطينية تنشد الحل المستحيل.
لتؤكد حتى بعد حصول التبدُّل في الرئاسة الأميركيَّة، وحلول بارك أوباما محل جورج بوش، أن الزمن حقاً ليس في مصلحة أحد. لا في مصلحة العرب ولا في مصلحة اسرائيل التي تصرُّ على أن تضرب عرض الحائط مطالب الرئيس الأميركي والادارة الأميركية والرأي العام الأميركي، سواء لجهة وقف بناء المستوطنات أم لجهة الشروع في وضع التسوية السلمية الشاملة موضع التنفيذ.
ويبقى السؤال هو نفسه: اما لبنان وفلسطين واما اسرائيل.
ولا يبدو حتى الآن كيف يمكن أن تحل الأزمة الفرعيَّة، أو المتفرعة من الأزمة الأم، والتي حوَّلت لبنان من بلد يُسمّى سويسرا الشرق، الى بلد يدعى الرجل المريض في المنطقة. أو مريض المنطقة.
ولا يزال الزمن منذ ذلك الهبوط الاسرائيلي في مطار بيروت مسرحاً للفعل من الداخل، ولردود الفعل من الخارج.
بل ساحة لتصفية الحسابات بين دول المنطقة بعضها ضد البعض، وكلما أرادت دولة عربية ان تنتقم من أميركا أو تستدرجها الى مزاد البيع والشراء يكون لبنان هو ورقة المساومة في المفاوضات.
حتى انه وصل الى هذا اليوم الذي لا يستطيع فيه ان يشكٍّل حكومة وحدة وطنية، أو حكومة عاديَّة وفقاً لأعراف النظام الديموقراطي البرلماني.
بعد إحدى وأربعين سنة لا يزال الزمن يقول الحق مع ميشال أبوجودة، ولا يزال على ما كان. لا في مصلحة العرب واسرائيل. ولا في مصلحة أميركا واوروبا. ولا في مصلحة لبنان بصورة خاصة وأكيدة.