مفاعيل المواقف الداخلية تنحسر أمام التطورات الخارجية
الأزمة الحكومية عالقة بين النووي والسلام
انحسرت مفاعيل المواقف الداخلية، على اهميتها ودلالاتها عادة، في اعطاء مؤشرات الى الاتجاهات السياسية في الايام الاخيرة لمصلحة انتظار التطورات الخارجية التي كان ابرزها اعلان ايران بدء الحوار بينها والدول الست الكبرى مطلع تشرين الاول المقبل على اثر الاقتراحات التي قدمتها الى هذه الدول ردا على الشروط الدولية في موضوع ملفها النووي، فيما يشكل مضمون الخطاب الذي سيعلنه الرئيس الاميركي باراك اوباما حول الخطة الاميركية لمعاودة مفاوضات السلام في المنطقة الجانب الآخر من هذه التطورات. لذلك، ويوما بعد يوم، يتنقل السياسيون في لبنان من ربط ازمة تأليف الحكومة بحصول اتصالات بين المملكة العربية السعودية وسوريا على خط تطبيع الوضع بين البلدين، الى ربطها بهذين التطورين في حين ان لا شيء مضمونا حيال اي تقدم فيهما يؤدي حكما الى حلحلة في الوضع اللبناني، في حين ان بقاء الامور وعدم حصول اي تقدم يعني بقاء المراوحة في الوضع الداخلي. فما لم يحصل امر اقليمي مناسب، فان ازمة الحكومة ستطول اكثر من دون معرفة المدة التي ستستغرقها وما اذا كان استمرار الهدوء يمكن ان يتأثر وفي اي اتجاه.
ويعول بعض السياسيين على الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لنيويورك للمشاركة في افتتاح اعمال الجمعية العمومية للامم المتحدة مطلع الاسبوع المقبل، واحتمال لقائه الرئيس الاميركي اوباما ورؤساء آخرين عل هذه اللقاءات تكون مناسبة لمحاولة استشفاف منحى السياسة الدولية بعناوينها العريضة في المرحلة المقبلة بما يمكن ان يساعد في دفع الامور ايجابا في لبنان، إن في موضوع ايران، او في موضوع السلام في المنطقة في حال الاطمئنان الى سير الامور على نحو معقول. اذ انه عشية زيارة المبعوث الاميركي لعملية السلام جورج ميتشل للبنان فان ثمة تشاؤما تعكسه مواقف سياسيين من هذا التحرك ومن خطة اوباما للسلام نتيجة اعتقاد ان الرئيس الاميركي بدأ يواجه صعوبات كبيرة في بلاده واعتراضات على سياسته الصحية وزيادة الضرائب وسواها بما يمكن ان يفيد "اللوبي" الاسرائيلي والحكومة الاسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو على طريق استهلاك الوقت في انتظار ان يخف زخم الرئيس الاميركي وقدرته كما رغبته في تحريك الامور في المنطقة.
لكن مصادر سياسية معنية تعتقد ان اي تحريك في العملية السلمية يمكن ان يساعد لبنان. وعلى رغم الصعوبات التي بدأت تواجه الرئيس الاميركي، فان الدول الغربية وسواها تثق بان هناك التزاما جديا من جانبه بتحريك العملية السلمية، وان حركته السياسية في اتجاه اسرائيل لا بد من ان تؤدي الى حال من اثنتين وفق ما تعتقد المصادر السياسية المعنية: اما ان يؤدي الضغط الذي يمارسه على الحكومة الاسرائيلية الى سقوط حكومة نتنياهو بحيث يصبح تنفيذ بعض الخطوات ممكنا مع حكومة اخرى، او ان يؤدي هذا التحرك الى تجميد المستوطنات الاسرائيلية لمدة من الزمن. وعلى رغم جزئية هذه الخطوة ومحدوديتها فان ذلك يبقى تقدما طفيفا جدا يتم السعي الى البناء عليه في الوقت الذي ينتظر فيه حصول الانتخابات الفلسطينية في مطلع السنة المقبلة من اجل ان تسفر عن وضع فلسطيني يمكن ان يساهم في تحريك الخطة الاميركية باعتبار ان الوضع الفلسطيني الراهن لا يساعد على ذلك. وهذا الوضع ينتظر موقف حركة "حماس" المرتبط بكل من سوريا وايران اللتين تنتظر كل منهما بدورها حصول تطور في الملف الذي يعنيها، اي ملف السلام بالنسبة الى سوريا، والملف النووي بالنسبة الى ايران. ولذلك يُعتقد ان سوريا تتوقع من هذه التطورات شيئا في المدى القريب بحيث انها لن تتحرك في انتظار معرفة ما سيطلقه في هذا الاطار تماما مثلما تنتظر ايران مرحلة الحوار الذي ستبدأه مع الغرب بآمال كبيرة نحو تفاوض على جملة ملفات تتعلق بلبنان وفلسطين وافغانستان والعراق الى جانب الملف النووي. وتقول المصادر السياسية المعنية ان طموح ايران الى التفاوض يستند الى الباب الذي فتحه الاميركيون حين اعلنوا رغبتهم في التفاوض مع ايران حول مجموعة ملفات غير ملفها النووي وكانوا يقصدون بها امن الخليج وافغانستان، فوظفت ايران المناسبة لتحدد بنفسها هذه الملفات ومن بينها لبنان.
وهذان الملفان على الاقل لا يبدو سهلا تفكيكهما في المدى القريب جدا، اي ذلك الذي يحتاج اليه لبنان بسرعة من اجل انجاز تأليف الحكومة اقله في المعطيات الراهنة ما لم يبرز تطور يتعلق بهذه الملفات يمكن ان يساهم في دفع الامور قدما اقله في شقها الاقليمي. فالمرحلة الاولى هي انتظار الاسابيع المقبلة التي تصادف ايضا حلول عيد الفطر بالاضافة الى توجه الرئيس سليمان الى نيويورك بما يساهم في تجميد الامور ومراوحتها عند نقاط معينة لا خروج من اطارها، على ان تبدو الامور اكثر وطأة بعد ذلك في حال استمرت عقدة الشروط العونية قائمة في الواجهة من دون اي مرونة مما يخشى معه ان تتعطل اي صيغة حكومية اخرى غير الصيغة الاساسية اي 15-10-5، وهذه الصيغة ايضا في ظل استمرار المعطيات الخارجية على حالها.