الاسس الدستورية لمنع توزير الراسبين في الانتخابات النيابية
المحامي جورج ابو صعب
ان الدستور في اي دولة هو مزيج من النصوص الصريحة والمبادىء العامة والاجتهادات والاعراف المكملة للنص وغير المعارضة له او المناقضة لمضمونه – فالاساس ان لا مجال للاجتهاد امام صراحة النص وخاصة النص الدستوري الذي وكما سبق واشرنا في دراسة سابقة يفسر (اي النص الدستوري ) تفسيرا ضيقا وليس تفسيرا واسعا .
فانطلاقا من القاعدة اعلاه وفي ظل النصوص الحالية للدستور وبناء على المبادىء العرفية الدستورية العامة والفقه والعلم الدستوريين يمكن تثبيت قاعدة منع توزير الراسبين في الانتخابات النيابية على المرتكزات الدستورية الآتية:
اولا : مرتكزات دستورية من صميم النص
1- بالاستناد الى نص المادة (27) من الدستور : عضو مجلس النواب يمثل الامة جمعاء … ما يعني ان النائب يمثل الشعب اي مجموع الناخبين الذين صوتوا في الانتخابات النيابية العامة في كل لبنان ومن خلال الدائرة الانتخابية لكل نائب مرشح – ذلك التصويت الذي يعكس الارادة الشعبية بوصول النائب الى البرلمان لتمثيل الاغلبية الناخبة تحت قبة البرلمان – وبالتالي ان النائب يمثل اكثرية ناخبيه التي اوصلته.
2- لا تأثير لذكر النص الدستوري نفسه اعلاه بعدم جواز ربط الوكالة بقيد او شرط من قبل منتخبيه لنفي قاعدة تمثيل النائب لاغلبية ناخبيه في الدائرة وبالتالي في كل لبنان – لان قاعدة عدم جواز ربط الوكالة بقيد او شرط وضعت منذ دستور 1926 المعدل بالقانون الدستوري تاريخ 21/1/1947في ظل ظروف معينة وعنها يقول العلامة الدستوري الدكتور صبحي المحمصاني في كتابه " الدستور والديمقراطية "- دار العلم للملايين – 1952 – : "… كانت بعض الاحزاب القوية تحاول استعمال اسلوب الوكالة الالزامية في الغرب لابقاء النواب الذين اوصلتهم الى الندوة البرلمانية خاضعين لسياسات تلك الاحزاب طوال فترة الولاية النيابية وذلك بالاستحصال منهم مسبقا على تعهد خطي غير مؤرخ بتقديم استقالاتهم وكانت الاحزاب تحتفظ بهذه الكتب لانتزاع النيابة عمن يتمرد على الاحزاب …" – وحول الموضوع نفسه مراجعة العلامة الدستوري الدكتور ادمون رباط في مؤلفه "الوسيط في القانون الدستوري اللبناني – دار العلم للملايين – الطبعة الاولى – 1970) – وبالتالي ان النظام اللبناني ليس بنظام حزبي بل هو نظام طائفي يحفظ مكتسبات الطوائف والمذاهب السياسية ويرسي مبادىء التوازنات بين المذاهب والطوائف ولا يمكن بالتالي الاعتداد بعدم ربط الوكالة النبابية بقيد او شرط لنفي انبثاق النائب من اكثرية محددة وبالتالي احترامه لرأي وتطلعات تلك الاكثرية خاصة الطائفية والمذهبية المناطقية.
3- انطلاقا من اسقاطات الوضع السياسي اللبناني الطائفي ايضا على الوضعية الدستورية للنائب – لا بد للنائب الذي انتخب على قاعدة طائفية ومذهبية مناطقية – من ان يراعي تعزيز شعبيته من خلال اعارة ناخبيه الاهتمام والاستجابة لرغباتهم وطلباتهم – فكيف اذا كانت طلباتهم تتعلق احداها باسقاط صفة النيابة عن مرشح ما كما هي حالة الوزير جبران باسيل مثلا – فالنائب لا يستطيع ان يقبل بمخالفة رأي ناخبه والتصويت على الثقة بوزير راسب في الانتخابات النيابية بفعل عدم محض الاكثرية الناخبة ثقتها له وهي (اي الاكثرية ) نفسها التي اوصلت مرشحين اخرين الى الندوة البرلمانية – فالنائب المنتخب من اكثرية ناخبة معينة لا يستطيع عملا بنص المادة (64) من الدستور – الفقرة (2) ان يمنح الثقة لوزير اسقطته ارادة الناخب في الانتخابات التي اوصلت هذا النائب الى الندوة البرلمانية – لان ذلك يعتبر التفافا على ارادة الناخب وبالتالي مخاطرة من النائب بمستقبله السياسي وصدقيته في الدائرة الانتخابية التي ينتمي اليها.
4- طالما ان مجلس النواب مؤلف من اكثرية ومن حق هذه الاكثرية استنادا للمادة (68) من الدستور كما من حق اي نائب اخر او تكتل نيابي اخر داخل الندوة البرلمانية – طرح الثقة بالوزير منفردا وبسحبه منه بحيث يتوجب عليه الاستقالة – فاننا لا نرى الاساس الذي يبنى عليه ضمان توزير راسبين طالما ان النص يعطي الحق للنواب بطرح الثقة وسحبها من الوزير وفاقا للمادة (37) من الدستور التي تقر بحق كل نائب بطلب عدم الثقة سواء في عقد عادي او عقد استثنائي – الا اذا كان المطلوب تعطيل تلك النصوص لحساب تسويات تطيح بالدستور والنظام البرلماني الديمقراطي – وهذا امر لا تأخذه الاكثرية على عاتقها بالتأكيد.
5- بالاضافة الى كل ذلك فقد نصت الفقرة (د) من مقدمة الدستور على ان الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية، ما يعني ان الشعب بموجب الدستور هو المرجعية العليا لاي سلطة وبالتالي التقيد بارادته وتوجهاته شرط اساس لبناء المؤسسات الدستورية في البلاد واستمراريتها. وبالتالي عندما يعبر الشعب عن ارادته – ولعل التعبير الاهم هو في اختيار الشعب لممثليه في مجلس النواب – يتحتم على المؤسسات الدستورية السير في خياراته واحترام ارادته – والا سقطت المشروعية والشرعية عن تلك السلطات وتحولت اما الى سلطات غاصبة لارادة الشعب واما الى سلطة خارجة عن نطاق الشرعية الدستورية.
ثانيا : مرتكزات دستورية من صميم الفقه الدستوري
انطلاقا من هذه القاعدة الدستورية الواضحة في الفقرة (د) المشار اليها عندما يقرر الشعب في انتخابات عامة ونزيهة وشفافة كما اجمع الجميع في الداخل والخارج على وصفها في 7 حزيران الفائت – حجب الثقة عن مرشح فان الشعب انما يعتبر المرشح المذكور غير اهل لتمثيله واكثريته هي الاكثرية الناخبة المطلوبة في قانون الانتخابات التي اقره الجميع في مؤتمر الدوحة عام 2008 – وقد استقر العلم الدستوري على اعتبار سيادة الشعب سيادة الاغلبية الممثلة في هيئة الناخبين بحيث يتعين استنادا لهذا المبدأ على الاقلية الاذعان لرأي الاغلبية ( انظر الدكتور ابراهيم عبد العزيز شيحا – في مؤلفه – النظم السياسية والقانون الدستوري – منشأة المعارف بالاسكندرية – طبعة 2000 ) – وبالتالي يعتمد على النصاب الاكثري كما هو معروف ومعلوم وبالتالي بموجب هذا القانون وبموجب الدستور لا يمكن دستوريا تعيين مرشح للانتخابات حجبت عنه اكثرية ناخبة موصوفة ثقتها وتأييدها له في اي منصب رسمي من المناصب التابعة لمؤسسة من المؤسسات الدستورية الا وهي مجلس الوزراء – بموجب احكام الدستور ولا سيما المادة ( 65) التي تعتبر بوضوح مجلس الوزراء السلطة الاجرائية وبالتالي مؤسسة دستورية قائمة بقوة الدستور والقانون الى جانب مؤسسات السلطة التشريعية والسلطة القضائية .
فتعيين مرشح راسب في الانتخابات النيابية يعتبر مخالفة واضحة للدستور ولا سيما الفقرة (د) منه لانها مخالفة لارادة الشعب الذي هو مصدر السلطات دستوريا وصاحب السيادة – فالسيادة كما نعلم في مفهومها الدستوري والقانوني هي سيادة الشعب فهي تقوم فيه – la souverainete reside dans le peuple ce qui revient a affirmer qu”il n”y a de pouvoir legitime que celui qui est institute par la collectivite qu”il regit – – العلامة الفرنسي جورج بوردو GEORGES BURDEAU في مؤلفه DROIT CONSTITUTIONNEL ET INSTITUTIONS POLITIQUES – 19 EME EDITION – PARIS 1980 .
ما يعني ان مخالفة ارادة الشعب هو المس بالسيادة وبالتالي اسقاط شرعية المؤسسات الدستورية المبنية على سيادة الشعب .
6- وعلى اساس ما ذكر اعلاه – فان الحكومة اللبنانية حكومة ديمقراطية GOUVERNEMENT DEMOCRATIQUE اي ان الحكومة يكون الشعب فيها صاحب السيادة والسلطان – وبما ان الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة في الحكومات اللبنانية الديمقراطية – وهذه السيادة يمارسها الشعب عبر الديمقراطية النيابية – فان اي حكومة تنبثق عن الديمقراطية النيابية تكون ملتزمة ارادة الشعب وخياراته والا سقطت شرعيتها ومشروعيتها الدستورية .
ثالثا : المرتكز الدستوري من واقع السابقة عام 2005
وكما صار معلوما وبما ان النظام الدستوري اللبناني في قسم منه مبني على السوابق والاعراف الى جانب النص – فان الحياة الدستورية اللبنانية شهدت سابقة حديثة في الزمن بمنع توزير الراسبين في الانتخابات النيابية لعام 2005م – بحيث لم يصار الى توزير رئيس "حركة التجدد الديمقراطي" نسيب لحود الذي رسب في الانتخابات النيابية الا بعد مضي سنتين على رسوبه – احتراما لمبدأ الارادة الشعبية وامتلاك الشعب للسيادة كونه مصدر السلطات وانسجاما مع قناعات الناخب اللبناني وتوجهاته في حينه – وبالتالي ان هذه السابقة مضافة الى ما يقوله النص والعلم الدستوريين مفترض ان توضح الامور وتنهي الجدل السياسي والدستوري القائم على توزير الراسبين بمنع توزيرهم لعدم الدستورية والقانونية.