#adsense

جمهــوريــة البـرتقــال

حجم الخط

جمهــوريــة البـرتقــال

"هكذا يمسي الإصلاح المزعوم، بفعل العنف، في حاجة هو ايضاً الى إصلاح".
منوال يونس (2003)

روى سعيد فريحة في احدى "جعباته" الملونة، انه كان في احد فنادق طوكيو في عز الصيف عندما انقطعت الكهرباء. وفعل ما يتوقع ان يفعله اي نزيل في هذه الحال. اتصل بالاستقبال، وقال لهم إنه يكاد يختنق. واعتذر الموظف بالتهذيب الياباني، لكنه اوضح انه "ليس في امكاننا ان نفعل شيئا من هنا. فالمكيف عندنا يدار من الخارج".

ثمة كتاب جديد عن سيرة الكولومبي المذهل غبريال غارسيا ماركيز الذي اختار معظم "ابطاله" من اللبنانيين. يقول مؤلف السيرة إن ماركيز نشأ في اركاكاتاكا، يوم كانت كولومبيا، ومعظم بلدان اميركا اللاتينية، مجرد جمهورية اخرى من جمهوريات الموز. لا قرار للناس في مصيرها. ولا قرار للدولة في شؤون رعاياها. كل شيء في يد زارع الموز الاميركي وقاطفه وتاجره. هو يستغل، وهو يربح وهو يتصدق. وصدقاته كانت مذلة. ليس احيانا، بل دائما. وشروطه كانت مطلقة. وغروره كان يمارس على انه حق الشاري على البائع. حق الباطل على الحق.

درج مصطلح "جمهوريات الموز" في اللغة الدولية في وصف الدول التي لا كرامة وطنية، او قومية، او اخلاقية لها. فهي ليست تدار من الخارج فقط، وانما فقدت ايضا اي ارادة داخلية، حتى ارادة الاستمرار والحياة. وكان الجنرالات والعائلات المكلفين ادارة امورها يؤمّنون استمرارهم بضمان استمرارية الخنوع والخضوع للسيد الاميركي.

نحكي، امين معلوف وانا، في ترجمة عناوين كتبه الجديدة الى العربية. ولما صدر له échelles Les du levant نُقل الى العربية "سلالم المشرق" وقلت له يومها إن هذه هي الترجمة الحرفية، اما المعنى الحقيقي، فهو مرافئ المشرق، وعلى وجه الضبط الموانئ التجارية فيه. وعندما أصدر كتابه الاخير "تفكك العالم" سألته ماذا يريد ان يقول تماماً؟ فقال: "احاول تشبيه العالم بمثل ساعة جدار سقطت جميع ادواتها فجأة". فأعربت له عن اعتقادي ان هذا اكثر من تفكك، وابعد من اختلال، لكنه ليس نهاية. انها حالة الاهتراء الناتجة من تضارب الوظائف بين الآلات. يحدث هذا عندما يصاب الاطار نفسه، فتتسرب الى الداخل عناصر الصدأ واللزوجة ومباعث الخلل.

عام 1976 جاء هنري كيسينجر يحاضر في جامعة كارلتون، اوتاوا. وفي نهاية المحاضرة رد على اسئلة الحاضرين. فسأله الطالب ايلي نصرالله بكل بساطة: "لماذا عملت على تقسيم لبنان؟"، فأجاب وزير الحروب الكبرى بغضب: "لكن لبنان ليس دولة، انه تسوية".
المخيف، الآن، اننا انحدرنا من حال "التسوية"، التي تبقي شيئا من الامل، الى الساعة المعطلة تماما، ولكن مع بعض الامل في اعادة تشغيل الآلات لكونها لا تزال ملقاة في مكانها. وها نحن في المرحلة الاخيرة: جمهورية موز، او برتقال، او حامض، كما في رواية لورانس داريل.

في هذه الحال، تسقط جميع المرجعيات الوطنية: الرفض المطلق للدستور وروحه واحكامه ونصوصه. الرفض الكلي للاعراف والنصوص والتقاليد المعمول بها على مستوى الهيئة التنفيذية او رئاسة الحكومة. الرفض المطلق للاحكام البرلمانية بما فيها نتائج الاقتراع. واخيرا، او اولا، رفض الحق (وليس الصلاحية) المعطى لرئيس الجمهورية في ان يكون همزة الوصل الاخيرة في الجسم الوطني المتداعي.

لا شيء ولا احد في الداخل. وقد اصبح عاديا ومألوفا ان يرفع رجل في موقع نبيه بري يديه مستسلماً، ان لا حل إلا بمصالحة، او توافق سعودي – سوري. وصار جزءاً من ادبيات الصحافة ويومياتها القول إن تأليف حكومة في بيروت رهن بتخصيب نووي في بوشهر التي كانت في الماضي منطلق طريق الحرير الى الصين، والمرفأ الذي ابحر منه ماركو بولو الى بلاد العجائب. وهناك فريق آخر يقول إن المسألة كلها تنتظر خطاب باراك اوباما.

كنت اتناول قهوة الصباح في مقهى صغير في "الغاي لوساك" بباريس، يرتاده عمال الطرش والدهان في استراحاتهم الصباحية. وكان اظرفهم يعلق دائما على الاحداث والمارة وصاحبة المقهى. وذات يوم مرت امام المقهى مجموعة من الفيتناميين، فانفجر ضاحكا: "هؤلاء الفيتناميون عندهم نحن، وعندهم الاميركيون، وعندهم العالم كله، ومع ذلك يصرون على المجيء الى هنا"!

الجميع عندنا، هنا، في شكل او في آخر. ونحن حول العالم. بدأنا الرحلة الى "سيل سان كلو" وانتهينا في الدوحة، متعانقين، متكاتفين، متكافلين. ثم جاءت الدوحة الى ساحة النجمة، تتأكد من تنفيذ العقد وعدم الاخلال بالشروط. امارة صغيرة بلا برلمان جاءت تكفل الجمهورية البرلمانية الاولى في المشرق. امارة قائمة، وجمهورية منهارة.

تمتلئ روايات ماركيز بكثافة ابداعية لا تقلد، بعذابات الناس في الدول المخلّعة، والمتخلخلة. جمهوريات الموز، حيث الخوف ليس فقط من الخارجين على القانون والطغاة الصغار، بل ايضا، وخصوصا، من القانون نفسه، ومن مخافر الفساد. وحيث القانون لا يعني شيئا لغير الضعفاء والمساكين والفقراء. وتلك هي جملة فيروز، بياعة البندورة، في رائعة الرحابنة "الشخص": "لو معي مية ليرة ما كانوا حاكموني"!

في جمهوريات الموز، وفق ماركيز، السلطة ليست هي القوة، والحكم ليس هو الحكم. وحكمة الحياة والبقائيات واحدة لا تتغير: التغاضي والتراضي. لكن عمن؟ ومع من؟ اننا نخلط في ما بين التراضي والتوافق. ما بين حرية الفرد وحرية الفرض. ما بين الاستبداد الفردي والاستبداد الجماعي. ما بين الجماعة كأمة متحابة، متلاقية، والتجمعات كسبيل ووسيلة موازية، او بديلة من التشريعات والمواثيق ومفاهيم الحدود الدنيا، من اخلاقيات القانون.

في مثل هذه الاحوال تحمل الازمات الكبرى اسماء وعناوين ومضامين صغيرة. ولا تعود القضية هي الرجل بل الرجل هو القضية. وتتهافت مسائل الوطن ودروب مصائره وتسقط لغة الضمير لتطغى وتسود لغة المواسم وتعابير القطف وما يسميه الفلاحون "المقسم". لقد اختلت القاعدة من اسسها: لست تحصد ما تزرع بل تقطف كل ما هو مزروع، مردداً مع المسيو دو لافونتين ما كتبه للصغار عن عالم الكبار، الرديء، والظالم، والرافض للتظلم.

الى مَن، او الى ماذا، تحتكم، عندما تلغي العمل بحكم الشعب، او رأي الاهالي، على ما كان يقول شارل حلو؟
انتخب سليمان فرنجيه رئيسا باكثرية صوت واحد، ورفض ان يخرج حتى على أسنة الحراب، كما قال صاحبكم ميرابو. لقد انشق البلد دونه، لكنه رفض ان يشق المؤسسات. وتخلى عن القصر لكنه لم يتخل عن ارادة الجمهورية. وكان كلما تزايد عليه القصف ازداد تمسكا باصول الدولة ومفاصل هيكلها العظمي. فالصوت الواحد، بمجرد ان دخل مرحلة الاقرار، لم يعد صوتا واحدا بل امانة ويميناً دستورية وتفويضاً جمهورياً. الجمهوري الآخر كان الياس سركيس، الذي كان فريقه يملك الحكم والقوة، لكنه قرر ان يقبل الخيار ويرتضي النتيجة ما دام قد ارتضى طريقة الامتحان. فالحاصل لا يمكن ان يتغير إلا اذا غيرنا المعادلة وقواعدها، وخصوصا منطقها الذي بموجبه اختُرعت وعملت جميع آلات الارض.

ما هو عنوان الازمة الحالية في ازمات التفكيك التي تضرب لبنان منذ 1969؟ كان لكل ازمة شعار فضفاض وغطاء ايديولوجي مستعار، في اقل تعديل، من ماركس او لينين. وكان "الشعب" هو اللازمة الموزونة والمقفاة. ميزة المحنة الحالية انها مبسّطة وميسرة على طريقة العلم للجميع بدل العلم للعلماء: يكون وزيراً او لا تكون جمهورية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل