#adsense

لا شراكة “منطقية” إلا على قاعدة أكثرية وأقلية

حجم الخط

مكاسب 7 حزيران لا تلغيها 7 أيّار المستمرّة والأزمة الأهلية تدخل "مرحلتها الرابعة"
لا شراكة "منطقية" إلا على قاعدة أكثرية وأقلية

مثلما جاءت خيارات يوم 14 آذار لتواجه خيارات يوم 8 آذار، فقد جاء الإنتصار الإنتخابيّ للحركة الإستقلاليّة في إنتخابات 7 حزيران بمثابة الردّ التاريخيّ على منطق الغلبة الأمنيّة العنفية كما عبّر عن نفسه في 7 أيّار والأيّام التي تلت، وأيضاً بمثابة لحظة الفشل التاريخيّ لمشروع الهيمنة المذهبيّة الشاملة على البلاد والذي أطلّ برأسه فور إنتهاء حرب تمّوز. ثمّة إذاً "ما لا يلغى" في نتائج الإنتخابات النيابية. ثمة أيضاً "ما لم" تستطع الإنتخابات إلغاءه من واقع سياسيّ وميدانيّ معروف. فلئن صار تكرار 7 أيّار مستحيلاً أو إنتحارياً للغاية بعد 7 حزيران، إلا أنّ آثار 7 أيّار نفسها، في الإجتماع وفي السياسة وفي التقسيمات الأمنية للأرض اللبنانية، ما زالت ماثلة للعيان.

والحال هذه، انتقلت البلاد من ثنائية 8 و14 آذار إلى ثنائية 7 أيّار و7 حزيران، وهناك فوارق مهمّة بين الثنائيتين.
فالأشكال التعبوية والتحشيدية كانت متشابهة إلى حدّ ما يوم تبارزت ساحتا 8 و14 آذار، وكانت "حرية التعبير" هي المساحة المشتركة بينهما، وطرحت كل من الساحتين وجهة نظرها لكيفية تأمين ورعاية الإستقرار في مرحلة انكفاء الوصاية السوريّة.

أمّا ثنائية 7 أيّار و7 حزيران فتقوم على أساس إختلاف جذريّ في الشكل قبل المضمون. فـ7 أيّار هو بكل المقاييس حدث عنفيّ، بل أخطر حدث من هذا النوع تشهده العاصمة اللبنانية منذ إنتهاء الحرب الأهليّة. أمّا 7 حزيران فحدث سلميّ بإمتياز، وهي إنتخابات لم يسجّل فيها ضربة كفّ، وانتزع الإعتراف بنزاهتها من فرقاء متباينين، بل إنّ الإنتصار فيها هو لإرادة السلم الأهليّ على إرادة المغالبة الأمنية والأهلية.

ويمكن القول إنّ الأزمة اللبنانية مرت في ثلاث مراحل منذ ثلاث سنوات إلى اليوم، ونحن اليوم دخلنا المرحلة الرابعة:
– مرحلة المبارزة بين ساحتي 8 آذار و14 آذار وقد جرت هذه المبارزة في ظلّ "حرب سرّية" تنكيلية تعرّضت لها قوى 14 آذار مثلما مرّت هذه المبارزة في لحظات مختلفة: المواجهة، ثم "تلاقي الساحتين" من خلال تجربة "الحلف الرباعيّ"، ثم إنفضاض هذا الحلف، والمحاولة المتعثرة لقوى 14 آذار في تقصير الولاية الممدّدة للرئيس إميل لحّود.

– مرحلة إستنزاف "تفاهم 6 شباط" لـ"حكومة الإستقلال الثاني". وفي هذه المرحلة جرى الإنتقال من منطق "الحرب السريّة" التنكيلية ضد قوى 14 آذار إلى أشكال أخرى من التقويض العنفيّ للإستقلال اللبنانيّ، من حرب تمّوز إلى حرب نهر البارد، ثم جرى الإنتقال إلى أسلوب "فرض الحصار" على وسط المدينة وعلى مقرّ الحكومة الشرعيّة وصولاً إلى 7 أيّار.

– أما المرحلة الثالثة فبدأت مع 7 أيّار 2008 ثم "إتفاق الدوحة" وتجربة الحكومة "المعطّلة بالثلث" وتعرّجت بين خضّة أمنية هنا ومصالحة سياسية هنا وأمنية هناك، وخاضت فيها الأكثرية نضالها الإنتخابيّ في ظروف أمنيّة معاكسة لها، وفي ظروف سياسية ضاغطة على الأكثرية من داخلها ومن خارجها، ومن الداخل ومن الخارج، لجعلها تتقدّم إلى الإنتخابات ببرنامج "معتدل" سيمهّد لاحقاً لإعمال تمييز بين قوى 14 آذار كجبهة سياسية وإستمرارية لـ"ثورة الأرز" وبين "الأكثرية" كإئتلاف برلمانيّ دستوريّ رافض للتعطيل ومحافظ على المؤسسات ومتطلّع إلى الشراكة "المنطقية".
هذه المرحلة الثالثة تكلّلت بالفوز الإنتخابيّ لقوى 14 آذار، ومع هذا الفوز كانت الأزمة اللبنانية تدخل مرحلتها الرابعة التي ما نزال اليوم نتحسّس معالمها الأساسية.

وهذه المرحلة الرابعة تتمايز بالصراع بين "إنتصارين". إنتصار أمنيّ فئوي يقابله إنتصار سياسيّ مؤسّسي. بعض إنتصار 7 حزيران معطّل سلفاً من قبل نتائج عملية 7 أيّار، إلا أنّ 7 أيّار نفسه ما عاد قادراً بعد 7 حزيران على إعادة تنظيم وجه لبنان كما كان الحال لو أتت نتائج الإنتخابات معاكسة لما حصل. أهل 7 أيّار يهدّدون عند كل عتبة بإستخدام العنف ثانية، لكن المنتصرين بـ 7 حزيران يدركون بشكل أو بآخر أنّ انتصارهم له بعد "وقائيّ" من هكذا تهويل أو هكذا شطح.

ما يجري على صعيد أزمة التشكيل الحكومي هو حقل الإختبار الأوّل لصراع قد يطول بين سياسة 7 أيار وسياسة 7 حزيران، وبين ثقافة 7 أيّار وثقافة 7 حزيران. وما يجري إختباره في هذا الشأن ليس قدرة الأكثرية في أن تحكم أو لا، وقابلية الأقلية لأن تشاركها أو لا، وإنّما بشكل رئيسيّ، قدرة نتائج الإنتخابات الأخيرة على حماية عهد الرئيس ميشال سليمان من كيد "التعطيل"، ويدخل ضمن ذلك السؤال حول الدور الذي سيلعبه رئيس البلاد في هذا الإطار والدور الذي يمكن أن تلعبه الأكثرية وقوى 14 آذار لمساندته في هذا الشأن.

فالمكابر وحده هو الذي يظنّ أن شروط استمرار "التعطيل" بعد الإنتخابات هي بسهولة استشراء "التعطيل" قبل الإنتخابات، فالجزء الأساسي من إنتصار 7 حزيران 2009 لا يمكن حجبه أو محوه: إن أيّ تفاوض الآن أو غداً محكوم بأن يكون تفاوضاً بين أكثرية وأقلية، وكل يوم إضافيّ سوف يزيد هذه المسألة وضوحاً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل