المحكمة والحكومة!!
تتلاحق هذه الأيام أحاديث صريحة وواضحة عبر لقاءات مع مسؤولين معنيين مباشرة بالمحكمة الدولية وبمدعي عام المحكمة المخول إصدار القرار الظني الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكل جرائم الاغتيال ومحاولات الاغتيال التي تلتها أو تلك التي سبقتها، وهذه الكثافة في التصريحات لم تتأتَ من فراغ، فالمتابعون بدقة لموضوع المحكمة الدوليّة يدركون أن كلّ مرحلة مفصليّة من مراحل التحقيق منذ نيسان العام 2005 ولجنة بيتر فيتزجيرالد ولجنة تقصي الحقائق التي خلصت إلى إخفاء ممنهج للأدلة والعبث في مسرح الجريمة مشيرة بالإصبع وبالإسم إلى النظامين الأمنيين المتورطين فيها، وحتى اليوم لم يجتز اللبنانيون مرحلة من مراحل المحكمة من دون أن "يدربكوا" الدنيا فوق رؤوسهم، على الأقل نستطيع أن نستيقن أن ما يحدث في موضوع تشكيل الحكومة والعرقلة المستمرة لقيامها بشتى الطرق، والمتتبع لأخبار هذه الحكومة والحملات التي تشنّ على الرئيس المكلف سعد الحريري رياحها آتية من سورية، ولا يملك من "بوّأهم" نظام الوصاية مناصبهم وممسك بملفاتهم من ألفها إلى يائها إلا أن يقولوا: "أمرك سيدو" سنعرقل، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وحدقوا في ليستة أسماء كل الذين امتنعوا عن تسمية رئيس لتشكيل الحكومة ليدرك اللبناني "عالطاير" أنهم كلّهم "يدينون بصناعتهم سياسيأً لوصاية وليّ النّعم"!!
إنها المحكمة، وليست الحكومة، ولو جرى الحديث عن اختراع فاشل إسمه حكومة "الوحدة الوطنية" والذي كانت دمشق تروّج له في السبعينات والثمانينات تحت مسمّى "حكومة الإجماع الوطني"!! وبشرفكن هل هناك أمر واحد من أمور الدنيا والآخرة الكبرى عليها إجماع في الآراء، حتى الله سبحانه وتعالى لم تجمع البشرية وهو خالقها على الإيمان بوجوده، ولا الأنبياء أجمعت الأمم على الاعتراف بهم جميعاً، إلا اللهم "أمة محمّد صلوات الله عليه"، ومع هذا يريد السياسيون أن يضحكوا علينا بخبرية "إجماع سياسي أو وطني أو حكومي"!!
منذ بداية هذا الأسبوع عاد الحديث عن المحكمة بنبرة قوية وواثقة، بالأمس أفضى المدعي العام دانيال بيلمار ببعض ما لديه من التفاؤل فقال في حديث صحافي: "الشيء الوحيد الذي أتطلع إلى أن أقوم به أنا وزملائي هو تحقيق العدالة للشعب اللبناني، لنقود المجرمين إلى المحكمة والسجون. نحن نقوم بعمل جبار وهام وله صدقية عالية للبنان ولشعوب المنطقة والعالم"..
بالتأكيد سيشعر كثيرون بالقلق عندما يقول بيلمار:" لم أترك حياة التقاعد ليرتبط اسمي بعمل فاشل. وربما لا تزالين تتذكرين أنني قلت لمجلس الأمن خلال لقائي الأخير معه إنني ما زلت متفائلاً. هذا لم يتغير اليوم، بل انني متفائل جداً"، كثيرون سيصابون بالتشاؤم، خصوصاً تلك الألسنة "الزمبركية" التي تحاول تضليل اللبنانيين، أو ادّعاء آحرين أن المحكمة مسيّسة، بالتأكيد أصيب "قنديل البحر" و"الطبل الأجوف" بكريزة عصبية بعد قراءة لقاء بيلمار، خصوصاً من روّج بوقاحة لشائعة أنه مصاب بالسرطان ويموت، حتى عائلة بيلمار كما قال هو شخصياً تأذت من كلام غير مسؤول أطلقته صحف معروفة..
لأول مرة يرد بيلمار مباشرة على كلام صادر عن حزب الله وأمينه العام في موضوع تسييس المحكمة: "لا أعلق على ما يقوله الآخرون. لكن هذا يعطيني الفرصة للرد على قضية تسييس المحكمة، وهذا بالفعل ما يريده هؤلاء واسمحي لي أن أذكر بأن هذه الاتهامات التي تتحدث عن أن هذه المحكمة مسيّسة انتشرت قبل بدء عملنا، وهي بدأت منذ البداية، وأقول لهؤلاء الذين يعتقدون ويقولون ذلك، إنكم تطلقون هذه التهم من دون أدلة، وأدعوكم إلى أن تعطونا الأدلة للرد عليها، وكل ما قامت به هذه المحكمة حتى الآن هو طلب تأجيل من السلطات اللبنانية، وإطلاق سراح الجنرالات الأربعة، فإذا هناك من يعتقد أن في هذا تسييساً فليقدم لنا الدلائل ونحن سنرد، بل سأكون سعيداً عند ردي على هذه الإدعاءات…تعلمين أنني مستقل، وكذلك المحكمة، وهذه الإدعاءات ملهاة عن العمل وهي مزعجة لنا، فنحن نعمل بكل صدق، والمزعج أن هذه الادّعاءات غير مبنيّة على حقائق، ولابدّ من أن يصدّق الناس أنه ليست لدينا أجندة سياسية، ونحن نعمل على أساس الأدلة، وأنا سأذهب حيث تقودني هذه الأدلة".
أما أفضل ما سمعه اللبنانيون فكلام صادر عن الرئيس الجديد لقلم المحكمة الدولية الأميركي ديفيد تولبرت إذ أعلن "أن المحكمة قادرة على البدء بإجراءات قضائية في أية لحظة بدءاً من الآن، مؤكداً أن الإجراءات القضائية تستند إلى أدلة محددة وليس الى تصورات بعض الأشخاص".
ما يحدث عملياً وفي هذه المرحلة بالتحديد هو "النزع الأخير" للمصرين على الوقوف في وجه قطار المحكمة ظناً منهم أن باستطاعتهم إيقافه وتعطيلها، مثلما ظنوا منذ 14 شباط العام 2005، ربما لم يقرأوا جيداً كلام بيلمار بالأمس:" مجلس الأمن هو الوحيد الذي يستطيع وقف عمل محكمته، مشدداً على أنه يستبعد قيام المجلس بذلك مهما كانت الظروف".
أيها اللبنانيون نحن في الشوط الأخير، وأنتم لن تخذلوا لبنان ولا شهداء ثورة الأرز، قد يواجهنا الكثير من تهديد واضطراب في حبل الأمن، وعودة للاغتيالات، ولكن: "المحكمة آتية.. والحقيقة والعدالة آتية أيضاً" فلا حقيقة من دون محكمة وبلا عدالة، يقول بيلمار لللبنانيين أمرين، الأول: "ليتذكّر اللبنانيون أنه ليس من مصلحة أحد أن يبقى إرهابيون لم يواجهوا القضاء أحراراً يسرحون ويمرحون بينهم" والثاني: "أنه مشتاق للبنان وأهله الطيبين"..
ويقول دانيال بيلمار للضابط السابق الذي يهوّل على القضاء اللبناني واللبنانيين بمؤتمراته الصحافية وللمطبلين والمزمرين لبراءة الضباط الأربعة:" الضباط لم يحاكموا لتتم تبرئتهم؟ بل أطلق سراحهم، لأننا لم نملك أدلّة كافية لإبقائهم في السجن، وهم مثلهم مثل الآخرين، سندق على أبوابهم إذا أصبحت لدينا أدلة ضدهم"..
أما "الطبل الأجوف" المتفرغ لتهديد رئيس الجمهورية هذه الأيام بعدم توقيع مرسوم تشكيل حكومة أكثرية، ليصبح الرئيس "طرفاً" وخصماً ومتجاوزاً للدستور ولاغياً لنتائج الانتخابات، ولا نظن أن الرئيس سليمان يودّ أن يخسر رصيده اللبناني والعربي والدولي إكراماً لقرقعة "الطبل الأجوف" ومَن يقف وراءه، فلابدّ أن نطمئنه بعدما أكد أن دانيال بيلمار "عم بيموت بكندا"، بيلمار يقول لكم: " أنه يتمتّع بصحة جيدة وأنه سيبقى في منصبه حتى ينتهي عمل المحكمة"، ويرتاح لبنان من أمثالكم…