#adsense

هل يحق للجنرال أن “يحكم ولا يملك”؟!

حجم الخط

شراكة "مشروطة" وجرأة مفقودة للإفصاح عن "رغباته"
هل يحق للجنرال أن "يحكم ولا يملك"؟!

تنتهي الاستشارات النيابية اليوم، ليعلن بعدها إعادة تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة العتيدة، بعد أن عانى ما عاناه خلال 73 يوماً من التكليف الأول ومحاولته جاهداً الوصول إلى حكومة وحدة وطنية، قبل أن يصطدم مسعاه بالشروط "التعجيزية" التي فرضها النائب ميشال عون وجاراه فيها حلفاؤه، وعطل من خلالها مسعى "الوفاق الوطني".

في التكليف الأول امتنعت الأقلية عن تسمية الحريري لتشكيل الحكومة، باستنثاء نائبي "الطاشناق" وكتلة "التنمية والتحرير"، ومع الخوض بتفاصيل المشاورات تبين ان من لم يسم رئيس "تيار المستقبل" هو الجهة التي عرقلت الوصول إلى رؤية موحدة للحكومة العتيدة، بل أكثر من ذلك، سعى العماد عون، الذي يرأس فريق "التعطيل" إلى فرض إملاءاته على الرئيس المكلف، واضعاً إياه أمام حلّين لا ثالث لهما، فإما الرضوخ لمطالبه، أو لن يكون هناك حكومة، مستفيداً من إصرار الرئيس الحريري على سياسة مد اليد للوصول إلى حكومة إئتلاف وطني.

يرغبون.. ويمتنعون

المفارقة في ما سبق ذكره، أن من لم يتكلف عناء مد اليد، والقول للبنانيين أنه يدعم توجه رئيس تكتل "لبنان أولاً" في الوصول إلى تشكيلة حكومية متجانسة تواجه المقبل من الاستحقاقات على كثرتها، حاول أن يظهر نفسه بموقع الضعيف والمستهدف، في حين أن أبسط قواعد اللعبة تتطلب من هذا الفريق الأقلوي أن يقول من يريد لتشكيل الحكومة، لا أن يمتنع عن التسمية، ليبدأ بعدها عملية مبرمجة لعرقلة مسيرة الرئيس المكلف، على قاعدة: "يتمنعن وهن راغبات".

أيضاً، فالحديث عن الديموقراطية بمعناها البسيط والمتواضع، أو المرور إلى جانبها في بلد يدعي حرية التعبير، يستوجب القول إنه من غير المعقول أن تعمد الأقلية إلى رفض تكليف الحريري بالمطلق، ثم يحاولون تحت شعار "المشاركة"، فرض رأيهم على الرئيس المكلف و"إلا"، ثم يظهر أحدهم بعظات ونظريات عن "الديموقراطية التوافقية"، وغاب عن باله أن التوافق يكون عليه وعلى الخصم، لا أن يُسحب التوافق ممن يخالفه التوجه.

العودة إلى "التعطيل"

في الاستشارات الثانية، تعود الأقلية إلى الامتناع عن تسمية سعد الحريري لتأليف الحكومة، وينضم إليها هذه المرة الرئيس نبيه بري وكتلته، في استعادة للمرحلة الأولى من التأليف، في ظل سقف عال تحاول من خلاله الأقلية الولوج إلى المشاورات بعد الاستشارات، لتستعيد السياق نفسه من "التعطيل" و"عرقلة" المساعي الوفاقية، انطلاقاً من قناعة لديها، بأن تأليف الحكومة يجب أن لا يمر إلا بشروطها، التي تبدأ من إلغاء نتائج الانتخابات النيابية وتنتهي بتطورات العلاقة بين إيران مع المجتمع الدولي.

قبل أيام قال سعد الحريري إن من "لن يسميني لتأليف الحكومة سأعامله بالمثل"، وفي كلامه هذا رسالة واضحة للجميع، نتيجة للممارسة الخاطئة التي انتهجتها قوى الأقلية في الفترة الماضية وهذا ما جعل الرئيس الحريري يصل إلى قناعة مفادها، أن سياسة مد اليد على الرغم من أهميتها يجب أن تكون "محددة" المعالم والأهداف، لأن تفكير 8 آذار قائم على قاعدة "ما لنا لنا، وما لكم، لنا ولكم".

من يريدون؟!

أكثر من ذلك، طالب الحريري الفريق الآخر بأن يتحلى بجرأة تسمية من يريد لتأليف الحكومة، بعد التصاريح المتضاربة لـ8 آذار وتحديداً "التيار الوطني الحر"، إلا أن ما تبين بعد اليوم الأول من الاستشارات الملزمة في بعبدا، أن أحداً منهم لا يملك جرأة الإفصاح عمن يمثل سياستهم، ويحصل على "رضاهم الموعود" لتأليف حكومة، أكانت حكومة وحدة وطنية أو لم تكن، فالنائب ميشال عون شكل مفارقة كبيرة في ما أعلنه من القصر الجمهوري، فهو لم يسم أحداً، وفي نفس الوقت قال إنه لا يتفق مع الرئيس الحريري، بل أملي عليه ما يجب أن يفعله، وفي ما أفصح عنه "جنرال الرابية" رسالة "سلبية" لا تمت إلى المنطق بصلة، وصورة لسياسة "العنترة" التي يمارسها زعيم "التيار" ومن ورائه.

في هذا السياق يقول النائب أحمد فتفت إن "الرئيس سعد الحريري ذهب إلى الفريق الآخر بكثير من الانفتاح والرغبة في الوصول إلى اتفاق حول حكومة ترضي الجميع، فسمع مطالبهم التي تبين أنها تأتي من خارج المنطق، بل تظهر أن لا رغبة لديهم بقيام حكومة شراكة حقيقة، ولهذا الشيخ سعد اليوم يعتزم معاملة الفريق الآخر بالمثل، بعد السياسة السلبية التي اعتمدوها معه".

سياسة "القضم"

ويشير عضو تكتل "لبنان أولاً" إلى أن "فريق الأقلية يطبق سياسة القضم، أي أنه يطالب بشيء وعندما يحصل عليه، يبادر إلى المطالبة بأمور أخرى متناسياً ما سبق وحصل عليه"، ويضيف: "هذا ما أوصل الرئيس المكلف إلى الاعتذار في المرة الأولى وجعله يعتمد من الآن وصاعداً اسلوباً مختلفاً، أي أنه يريد التفاهم العام وإلا لا تفاهم".

ولا يغيب عن فتفت التذكير بأن من "حق الأكثرية اليوم أن تعود لتطالب بما لم تحصل عليه كما يجب في التشكيلة الأولى، أي أنه يحق لها أن تطالب بتمثيل أوسع، وبوزارات خدماتية أكثر"، ويقول: "هناك سياستان لدى الفريق الآخر، الأولى ذات طابع إقليمي تريد إبقاء لبنان ساحة، والسبيل إلى ذلك أن يبقى الفراغ في المؤسسات الدستورية، والثانية محاولة الإنقضاض على الطائف وتغيير النظام، وهذا ما يريده التيار الوطني الحر ويؤيده في هذا التوجه حزب الله".

ولكن وبحسب فتفت، فإن "المعادلات كلها سقطت بمجرد اعتذار الرئيس الحريري، وإعادة تكليفه ستكون على قواعد مختلفة كلياً، لأنه لن يعود ليرضخ للابتزاز، ولن يبقي على سياسة مد اليد بالشكل الذي كانت فيه مع التكليف الأول، لأن فريق 8 آذار مستمر بنهجه الأحادي، وهو اليوم أمام حلين، فإما أن يستوعب رسالة سعد الحريري ويبدي رغبة في التوافق المعقول، وإما أنه يريد إبقاء البلد معطلاً، والحل الثاني هو القائم إلى حد الآن، لأنه كما يتبين للمتابع لتصريحات ومواقف هذا الفريق، فهو مستمر بسياسته التعطيلية، ومستعد للذهاب بها إلى أبعد حد، غير مبال بتبعات تصرفه هذا".

إذاً، يتجه فريق 8 آذار، وعون تحديداً، إلى تكرار "منطقه المتحكم" في التكليف الثاني للحريري، رغم أنه لا يملك الأكثرية النيابية اللازمة ليملي شروطه في تشكيل الحكومة أو في غيرها. يطالب بالتوافق كما يراه هو. يتجرأ على العرقلة، ولا يتجرأ على تسمية رئيس مكلف غير الحريري. يريد كل شيء ولا يقدم شيئاً. وبالتالي، جعل الحريري يستنفد كل ما لديه في سياسة مد اليد، وعلى "جنرال الرابية" اليوم أن ينتظر سياسة مغايرة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل