تراجُع بري عن تسمية الحريري شكّل نذيراً باستمرار التعثّر
هل مِن تطوّر يحول دون العودة إلى دوامة الشروط؟
لعل السؤال الأهم الذي يراود اللبنانيين الصابرين عشية التكليف الثاني لزعيم الأكثرية النيابية سعد الحريري تأليف الحكومة، هو ذاك المتعلق بتذليل العقبات والعراقيل التي حالت دون التأليف خلال التكليف الأول، وانتهت بالاعتذار عن عدم الاستمرار في مهمته بعد مفاوضات مضنية تجاوزت السبعين يوماً، وعما اذا طرأ جديد يبعث على التفاؤل بإمكان تجاوز هذه العقبات والعراقيل؟
ليس هناك ما يؤشر حتى الآن الى تطورات ايجابية، سواء على المستوى الاقليمي – الدولي ام على المستوى الداخلي، حيث كان الاعتراض على التشكيلة الحكومية التي اعدها الرئيس المكلّف محصوراً بعدم تلبية شرط وضعه احد اطراف المعارضة رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون وهو إعادة توزير احد وزرائه جبران باسيل وابقاؤه في وزارة الاتصالات. ولم تكن هناك مشكلة في سائر المطالب والشروط، او عند سائر اطراف المعارضة وخصوصاً "حزب الله" ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وقد اعترضا فقط، دعماً لاعتراض حليفهما.
هذا في الشكل الوجه الداخلي للأزمة. واما في المضمون فإن حقيقة المشكلة، وباعتراف الجميع في الاكثرية النيابية والمعارضة، خارجية – اقليمية – دولية وضعت التشكيلة الحكومية في الأسر، ليس لأن لبنان دولة عظمى تشغل العالم، بل لانه "ساحة" لصراعات خارجية. واما في الداخل فليس سوى بعض التفاصيل تترك للاعبين الداخليين. وبدا وسط هذه الاجواء ان بين هؤلاء من "أطربه" ايهام الناس مفاخراً أنه تمكن شخصياً من منع تأليف الحكومة، وهي الأولى بعد الانتخابات النيابية، وتعامل مع اعتذار الرئيس المكلف بعدما وصلت مساعيه الى طريق مسدود، على انه انتصار مبين! وهو على كل حال لم يبالغ. فهذا ما حصل. ولكن اي نصر هو هذا؟ وبأي ثمن؟ وعلى حساب من؟
وفي مجال العقدة الداخلية لا جديد، بل على العكس فالعماد عون عكس بعد مشاركته في الاستشارات الثانية للتكليف مزيداً من "السوداوية" مبرراً عدم تسمية احد لرئاسة الحكومة بأننا "مختلفون جداً"…
ومن غرائب المشهد السياسي في هذا الزمن، ان المعارضة تعلن رفض تسمية الرئيس المكلّف المعتذر العائد سعد الحريري وفي الوقت نفسه تبدي استعدادها للمشاركة في حكومة برئاسته. وكان الامتناع عن تسمية الحريري او غيره، نذيراً اول بحالة مراوحة متجددة لا مفر من العودة الى التخبط فيها اذا لم يطرأ جديد في الجانب المشار اليه من شروط عون المدعوم من حلفائه في المعارضة وخصوصاً "حزب الله". ويدرك الجميع ان لا حكومة بلا مشاركة المعارضة لاسباب كثيرة. ولا مكان في لبنان لقاعدة ديموقراطيات العالم: اكثرية تحكم ومعارضة تراقب.
وفي غياب اي تطور ايجابي على الوجه الداخلي للأزمة، سيكون من البديهي عدم اسقاط احتمال امتناع الحريري عن قبول التكليف الجديد. ومن الطبيعي ايضاً ان تطوراً ايجابياً في الداخل يبدأ بتطور من نوع آخر في الخارج، ذي صلة بمفاوضات اميركية – سورية متعثرة، واخرى اميركية – ايرانية حول الملف النووي الايراني متوقعة في تشرين الاول المقبل.
وإذا كان الوجه الداخلي للازمة وعنوانه وزارة الاتصالات و"صهر الجنرال" هو بالفعل غطاء للعراقيل الخارجية و"واجهة محلية"، كما تدعي الاكثرية النيابية، فإن عرض تلبية هذا المطلب لعون من شأنه ان يكشف حقيقة موقفه.
واذا كان الرئيس المكلّف – المعتذر – العائد لا يريد تأليف حكومة ويحاول كسب الوقت ويراهن على تطورات ما خارجية كما تدعي المعارضة، فإن ابداء بعض المرونة من جانبها وعدم التشبث بشخص محدد او بحقيبة معينة، سيحرجه ويكشف حقيقة موقفه، وهو الذي لم يخل خطاب له منذ التكليف وما بعد الاعتذار من الدعوة الى حكومة وحدة وطنية.
وثمة مؤشر آخر تمثل بتراجع بري عن تسمية الحريري انسجاماً مع موقف سائر اطراف المعارضة، وخلافاً لاعلانه فور الاعتذار انه لن يسمي الا الحريري وذلك بسبب خطاب للحريري قال فيه انه لن يستجدي تسميته للتكليف من احد، وفق اوساط بري، في حين ان الطرف الآخر اي الاكثرية، يرى أن لهذا الموقف المستجد "امتدادات ذات صلة بالجو الاقليمي والسوري تحديداً". ويلفت الى ان موقف كتلة بري بعد الاستشارات كما موقف عون، صبّ في هذا الاتجاه.
وبين اتهام من هنا ورد من هناك، لفت امس الاتصال الهاتفي الذي اجراه رئيس الجمهورية ميشال سليمان بالرئيس السوري بشار الاسد وأعلن رسمياً بعده "التفاهم على التعجيل في تشكيل حكومة وحدة وطنية". وهذا موقف مشجع وايجابي، ولكن ترجمته تتطلب انفراجاً على مستوى الحوار الاميركي – السوري والذي يحاول من خلاله الجانب الاميركي ان "يبيع" سوريا مكاسب ونفوذاً اكبر في لبنان، في مقابل ان يبيعه الجانب السوري "أمناً" في العراق. وهذه المقايضة تستبطن اتهاماً اميركياً مزدوجاً لسوريا، في العراق ولبنان.
وفي ظل تعثر الحوار الاميركي – السوري وما نسب الى مسؤولين اميركيين من اتهامات للرئيس السوري بالمناورة وعدم الوفاء بتعهداته، وإعلان مصادر اميركية صرف النظر عن اعادة السفير الاميركي الى دمشق، هل يستطيع لبنان ان "ينفُد" من دفع فاتورة جديدة وان "يجترح" معجزة تحيّده عن تداعيات الخلافات الاقليمية – الدولية؟
لن تكون البداية الافضل الا من خلال "تطبيع" العلاقات مع دمشق بكل ما لهذه الكلمة من معنى، ومن هنا اهمية الاتصال الذي اجراه الرئيس سليمان امس بالرئيس الاسد، وإن في الشكل. ولكنه شكّل بداية خطوة في الاتجاه الصحيح للبوصلة: علاقات صحية مع دمشق.
"مرتا مرتا… تبحثين عن اشياء كثيرة والمطلوب واحد"!