بلمار.. إن حكى
لحسن الحظ ان القاضي الكندي دانيال بلمار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة المجرمين في جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري، خرج الى الاعلام وادلى بدلوه في نقاط عدة كانت مثار نقاش في الاشهر الماضية في لبنان، خصوصا بعد عقد مدير عام الامن العام السابق جميل السيد لمؤتمرات صحافية يعلن فيها أنواعا مختلفة من الآراء، تقوم على الهرج والمرج والتشكيك في صدقية المحكمة واتهامها بالتسييس، وكأن إغتيال الرئيس الحريري لم يكن سياسيا بل ثقافيا. وهي بالتأكيد مؤتمرات صحافية تحاول النيل من عزيمة اللبنانيين في معرفة قتلة رئيس وزرائهم ومعاقبتهم، ومحاولة لتوسيع فكي الكماشة المقبلة على الانغلاق على كل متورط في ارتكاب هذه الجريمة الشنيعة وكل الجرائم السابقة واللاحقة عليها. ومهاجمو المحكمة لا يتوانون عن اتهامها بأنها تهدف الى زعزعة الاستقرار الداخلي اللبناني، وكان هجومهم، الذي اداره اللواء السيد وآزره فيه عدد كبير من المشتغلين بالسياسة في لبنان، قد تم بشكل منسق ودقيق وكأنهم جميعا تلقوا التعليمات اللازمة لبدء الهجوم. فأن يقول القاضي بلمار ان الضباط لم يحاكموا لتتم تبرئتهم، وأطلق سراحهم لعدم وجود ادلة كافية لابقائهم في السجن، وهم مثلهم مثل الآخرين "سندق ابوابهم اذا صار لدينا أدلة ضدهم"، فهذا التصريح بمثابة فصل الزيت عن الماء في محاولات التشويش على عمل المحكمة حتى قبل ان تبدأ أعمالها وقبل ان تصدر قرارها الظني.
وبلمار يتقن عدم الكلام في السياسة، فهو المدعي العام ومهمته في المحكمة الدولية محددة بتوجيه التهمة الى عدد من الاشخاص، وهذا ما سيتم بناء على ادلة قاطعة لا تقبل الشك، فهو كما يقول عن نفسه لم يتسلم المهمة ليفشل بها، بل ويملك قضية واضحة وجاهزة. وبحسب تصريحاته فإن المحكمة ستتوصل لإلقاء القبض على مرتكبي الجريمة.
وابتعاد المدعي العام عن السياسية ليس سببه ان عددا كبيرا من المتضررين من المحكمة يتهمونها بالتسييس، أي بتدخل السياسة في قراراتها التي ستتخذها، وهذا فيه كثير من التنبؤ وكأن من يتهمون المحكمة منذ اليوم يعرفون سلفا القرارات التي ستصدرها والاشخاص الذين ستوجه لهم الاتهام، بل لا يتدخل في السياسة لانه اذا شعر ان هناك ضغوطا سياسية من قبل دول معينة تهدف الى تعطيل عمل المحكمة وهذا ما نسميه في لبنان "الصفقة"، او تدخلات سياسية من دول تهدف الى توجيه المحاكمة ومسيرتها فإنه سيقدم استقالته، بحسب تصريحاته. فالقاضي الكندي له دور محدد في المحكمة منذ تشكيلها، وهو توجيه الاتهام وفقا لنتائج التحقيقات التي قامت بها لجنة التحقيق الدولية التي كان رئيسها في السنة الاخيرة، وللقضاة ان يقتنعوا بإستنتاجاته او ان لا يقتنعوا، ولهم يعود القرار الفصل النهائي في تحديد المجرمين ودرجة تدخلهم والعقوبات التي يستحقونها.
وبالطبع كما اعتدنا في لبنان فإن الهجوم على المحكمة التي تهدف الى محاسبة مجرمين اغتالوا رئيسا سابقا للحكومة ورئيس كتلة نيابية وعدد من المواطنين وارتكبوا جرائم اغتيال متفرقة بحق سياسيين ومثقفين ونواب ومواطنين، هذا الهجوم بدأ بشكل تدريجي، فطاول اولاً الشهود ثم طال مسؤولين مفترضين أخذهم القدر الى الانتحار او الموت اغتيالا، ثم طال رؤساء لجنة التحقيق بدءا بالقاضي الالماني ديتليف ميليس، ثم لا بد سيطال القضاة بعد بدء المحكمة أعمالها.
حتى الآن ما زال قضاة الدرجة الاولى وقضاة الاستئناف في منأى عن الاتهام والهجوم اذ ان عملهم الفعلي لم يبدأ بعد، ولكن علينا ان نتوقع في فترة لاحقة بدء الهجوم، فلا أحد سيتمكن من رد سهام التهمة بالتسييس التي سيطلقها المتضررون من قيام المحكمة الدولية، هؤلاء انفسهم الذين يشيعون ما مفاده ان هذه المحكمة ستؤدي الى زعزعة استقرار لبنان، والذين يؤخرون تشكيل الحكومة اللبنانية في سبيل المفاوضة على دور المحكمة وحجم الاتهامات التي ستوجهها. ومن يعتقد ان لا علاقة للمحكمة الدولية بتشكيل الحكومة فليراجع سنوات 2006-2007 في موضوعي تعليق عضوية الوزراء الشيعة ووزير الرئيس اميل لحود آنذاك عضويتهم من حكومة الوحدة الوطنية، ومن ثم استقالتهم منها جميعا على أثر مناقشة قانون المحكمة الدولية. وما أشبه اليوم بالامس.
ولكن القاضي الكندي ينأى بنفسه عن هذا الموضوع أيضا. فعمله الذي كلفه به مجلس الامن، والذي لا يمكن الا لمجلس الامن الدولي منعه عنه، يقضي بإكتشاف المجرمين وتوجيه التهمة لهم، ولا يعنيه كقاض ما سيترتب على ذلك في ارض الواقع، من قبيل التأثير السياسي لقرارات المحكمة وزعزعة الاستقرار اللبناني وغير ذلك من ادعاءات، فهذا ليس من شأنه. ولو كان على القاضي ان يبحث في تأثير أحكامه على ارض الواقع لكان على كل قاض – من ادنى منصب الى أعلاه في قصور العدل- ان يضطر الى البحث في تأثير قراراته على حياة البشر، وبالتالي يتحول من قاض الى مصلح إجتماعي، وهذا مناقض لمهمة القاضي التي تحتم عليه إحقاق الحق من دون سواه، لان الحق كالزيت دائما من فوق، ولانه دائما ما يكون هناك متضرر عند إحقاق الحق.
لحسن الحظ ان المدعي العام للمحكمة الدولية خرج الى الاعلام ليقول موقفا بالسياسة والتسييس، وبعمل المحكمة وقضيتها. هكذا يمكننا ان نرى بعض الضوء في كتلة الضباب العميم الذي ينفثه كثر من محبي العتمة في فضاء البلاد واجوائها.