إنسداد أفق الحوار قد يؤدي الى تداعيات أمنية خطيرة بدأت مظاهرها تلوح على الأرض
اعتبرت أوساط سياسية امتناع الأقلية عن تسمية الرئيس الحريري لتشكيل الحكومة بأنه رسالة واضحة موجهة إليه وإلى الأكثرية بأنها لا تعترف بشرعية النظام القائم، وبالتالي لا تعتبر نفسها معنية بالإستشارات الملزمة التي يجريها رئيس الجمهورية طبقاً لما ينص عليه الدستور وبما يتلاءم مع آلية النظام المعمول به، ما حمل الرئيس سليم الحص المعروف بحياديته على أن يسجّل على المعارضة أنها تعمّدت في موقفها هذا الافتئات على مقام رئاسة مجلس الوزراء إذ كان عليها أن تسمي أي شخص غير الرئيس الحريري لا أن تكتفي بالإمتناع عن التسمية.
غير أن الرئيس الحريري قابل موقف المعارضة من عدم تسميته بإيجابية واعتبر أنها مارست حقها الديمقراطي مع إشارة واضحة الى أن الإستشارات كما جرت، أظهرت الوضع الداخلي على طبيعته التي أفرزتها الانتخابات النيابية بمعنى أن هناك أكثرية سمّت رئيساً للحكومة وأقلية مارست حقها بعدم تسميته، طبقاً للآليات الدستورية وللمفهوم الدقيق للدستور الذي يحكم اللعبة السياسية بين المعارضة والموالاة، ولا سيّما في ما يتعلق بتشكيل الحكومة.
وهذا الموقف، أعطى الرئيس المكلّف، وفق ما ترى مصادر سياسية مواكبة حرية الحركة على صعيد ممارسة حقه في الاستشارات وفي تشكيل الحكومة بحيث لا يبقى أسير الاتفاقات التي لا علاقة لها بالدستور كنظرية الصيغة التي تصرّ المعارضة عليها والمتعلقة بمعادلة 15-10-5 من دون أن تظهر أية إشارة من الرئيس المكلّف توحي بأنه سيخرج على هذه الصيغة ويمضي في تشكيل حكومة اللون الواحد كما تردد في أوساط الأكثرية قبل الإستشارات النيابية.
فالرئيس المكلّف وفق ما أعلن في البيان الذي أذاعه بعد التكليف واستناداً الى زواره سيعمل على أساس تأليف حكومة إئتلافية تقتضيها ظروف المرحلة، ولن يدخل في سياسة التحدي مع المعارضة، على الرغم من أن كل المؤشرات تدل على أن المعارضة سوف تواصل سياسة التحدي والإبتزاز على غرار ما فعلت معه في التكليف الأول وأدّى ذلك الى اعتذاره.
وعشية زياراته التقليدية لرؤساء الحكومات السابقين جدّد الرئيس المكلّف على أنه لن يستثني أحداً من هذه الزيارات، في إشارة واضحة الى أنه لن يستثني العماد ميشال عون، كذلك الأمر بالنسبة الى المشاورات التي يجريها مع الكتل النيابية في المراحل اللاحقة.
ولا يبدو الرئيس المكلّف مستعجلاً في تشكيل الحكومة لأنه يدرك مدى الصعوبات التي تعترض سبيل التأليف، لكنه سيعتمد النفس الطويل من دون ملل أو وجل، ما يحمل إشارة واضحة الى أنه أخذ قراره بعدم الإعتذار مهما بلغت الصعوبات، ومهما كانت التعقيدات والعقبات التي توضع في طريقه لإحراجه فإخراجه كما حصل في التكليف الأول.
لكن الإنقسام الذي أفرزته الإستشارات النيابية وبعيداً عن إيحاءات حزب الله وحركة أمل بأنهما مستعدان للتعامل إيجابياً مع الرئيس المكلّف دفعت مصادر دبلوماسية عربية في بيروت للإعراب عن قلقها مما آلت إليه الأوضاع في لبنان بعد حوالى ثلاثة أشهر من المحاولات التي قام بها الرئيس المكلّف بدعم من رئيس الجمهورية لتأليف حكومة الشراكة الوطنية التي طالبت بها المعارضة رغم خسارتها في الانتخابات النيابية واعترافها بهذه الخسارة، وتخشى هذه المصادر من أن يؤدي انسداد أفق الحوار بين الفريقين الى تداعيات أمنية خطيرة بدأت مظاهرها تلوح على الأرض، ما من شأنه أن ينسف كل الجهود التي بُذلت بعد الانتخابات النيابية لتجنّبها.
وتعتقد هذه المصادر أن الأمور قد تتجه نحو الأسوأ على رغم الليونة التي ظهرت في بعض المواقف السياسية للطرفين في خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، والتي يحاول أصحابها حصر الأزمة بالإختلاف على الحصص داخل الحكومة الجديدة التي يعتزم الرئيس الحريري تشكيلها، وعلى النسب كما أكد البيان الصادر عن كتلة التنمية والتحرير، وكما جاء في تصريحات نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، لأن مشهد الانقسام الذي أفرزته الإستشارات في القصر الجمهوري طرح مجدداً على الطاولة موضوع الثقة المفقودة بين الفريقين، والذي أدّى الى ما أدّى إليه في الأزمة التي شهدتها البلاد قبل اتفاق الدوحة.
وتعزو المصادر الدبلوماسية العربية ذلك الى عوامل خارجية أحد وجوهها عودة الخلاف الأميركي – السوري بعد الهدنة التي سادت في أعقاب انتخاب الرئيس أوباما، والحوار الإيراني – الأوروبي حول تخصيب اليورانيوم، والوضع الفلسطيني – الاسرائيلي في ضوء مبادرة السلام التي يهيّئ لها الرئيس الأميركي والتي تحركت مؤخراً بزيارة موفده جورج ميتشل الى المنطقة واستثناء سوريا من هذه الزيارة إضافة الى تعليق الحوار السعودي – السوري بعد دخول عدة عوامل على الخط.
لكن المصادر الدبلوماسية ذاتها، ما زالت تميل الى أن اللبنانيين ما زالوا قادرين على تجاوز كل هذه المطبات والوصول الى تفاهم على تحييد موضوع الحكومة ولو جزئياً عن الحراك الدائر في المنطقة، من منطلق أن بقاء بلدهم من دون حكومة، سيرتد سلباً على جميع اللبنانيين، ولا يُلحق الضرر بفريق دون الفريق الآخر.
وتعوّل هذه المصادر على الجهود التي بدأها رئيس الجمهورية مع فريق المعارضة، للتخفيف من شروطها وقبولها بالحل الدستوري الذي يعطي للرئيس المكلّف صلاحية تشكيل الحكومة بالتشاور مع رئيس الجمهورية بشرط مراعاة الصيغة الميثاقية التوافقية التي يتمسك بها من موقعه كرئيس توافقي لكل اللبنانيين وليس لفريق ضد الفريق الآخر.
وبين مساعي تقريب وجهات النظر التي يبذلها الرئيس سليمان، والتي ما زالت تصطدم بشروط العماد عون ورفض الرئيس الحريري ومعه الأكثرية التي سمّته لرئاسة الحكومة، لهذه الشروط، ستبقى أزمة التأليف تراوح مكانها ما لم تتعدّل الأمور على الصعيد الخارجي، وتحمل الفريقين على التلاقي في نقطة الوسط، وهو ما سوف يسعى إليه أيضاً الرئيس المكلّف الذي جدّد بعد قرار التكليف انفتاحه على المعارضة الى أبعد الحدود، واستعداده للتحاور معها والإستماع الى مطالبها للوصول في نهاية المطاف الى التشكيلة الحكومية التي تعكس الشراكة في الوطن من دون الرضوخ لأية شروط أو تجاوز الصلاحيات الدستورية للرئيس المكلّف ولا سيما تلك التي تعطيه حق تشكيل الحكومة بالتوافق مع رئيس الجمهورية.