#adsense

إلغاء الحاجة إلى الحكومة توطئة لإلغاء الدولة

حجم الخط

"احتمال أن يبقى لبنان بلا حكومة".. خطاب فاشيّ بقشرة فوضوية
إلغاء الحاجة إلى الحكومة توطئة لإلغاء الدولة

اكتشف أهل "التعطيل" مؤخّراً بعداً "جماليّاً" و"خلاصياً" لمسلكهم. ما عاد التعطيل يتحرّج من صفته تلك. الجنرال ميشال عون يتفاءل مثلاً بـ"حالة ازدهار رائع بلا حكومة" وبـ "احتمال أن يبقى لبنان بلا حكومة". يبحث عن شواهد حيّة من التاريخ تسند تفاؤله. المجتمع الطوبويّ عنده هو حتماً مجتمع لا حكومة فيه. يقول "إذ كان المصروف أقل والمشاكل أيضاً والناس مرتاحون ولا نحتاج إلى تحسين السير". وربّما كان عليه أن يقتبس من "سفر أشعيا" أوصاف تلك الساعة التي يسكن فيها "الذئب مع الحمل ويربض النمر مع الجدي ويعلف العجل والشبل معاً وصبي صغير يسوقهما وترعى البقرة والدب معاً ويربض أولادهما معاً والأسد يأكل التبن كالثور ويلعب الرضيع على حجر الأفعى ويضع الفطيم يده في جحر الأرقم".

لكنّ السبق يبقى في هذا المجال للنائب سليمان فرنجية وأطروحته "البلد ماشي من غير حكومة"، وهي أطروحة ينافس بها رئيس "تيّار المردة" آباء الفكر الفوضوي من أمثال برودون وباكونين وكروبوتكين وماخنو. الغاء الحاجة إلى الحكومة هي "بروفة" لالغاء مؤسسات الدولة والدولة نفسها.
وما بين "طوبوية" المجتمع الفاضل الخالي من الحكومة عند عون، والبلد المسيّر ذاتياً من دونها عند فرنجية، برز من كتلة "التغيير والإصلاح" النائب يوسف خليل الذي اقترح حلاً عملياً يقضي بعودة حكومة تصريف الأعمال إلى لعب دورها كحكومة بالأصالة، أي بمعنى آخر إلغاء الإنتخابات النيابية. ساعة لا تعود حكومة تصريف الأعمال كذلك يصير مجلس النواب الحالي مجرّد مجلس لتصريف الأعمال، على غرار سلفه المغلق الأبواب لأكثر من نصف الولاية التشريعية.

وكي تكتمل اللوحة سريالية يبرز في قوى 8 آذار من يقلب المشهد رأساً على عقب. يتحدّثون مثلاً عن "الإستبداد" و"الإستئثار" حتى لتشعرنّ أن قوى الأكثرية ـ تلك الأكثرية المغلوبة على أمرها والمتروكة لوحدها يوم 7 أيّار ـ هي بمثابة منظومة لا آخر لها من أقبية التعذيب ومعسكرات العمل الجماعيّ، وأنّ قوى الأقلية مجموعة من المستضعفين العزّل الذين يعانون سياسات التجويع والحرمان والفصل العنصريّ، وأنّهم كألبان كوسوفو وأهل دارفور، بحاجة إلى حماية دولية تقيهم من شرّ العواقب.

وما يزيد المشهد سريالية أنّ كل هذه المواقف أخذت في التصاعد بعد استحقاق انتخابيّ لا لبس فيه: فاز فيه فريق وخسره فريق آخر. طبعاً، ترجع بعض هذه السريالية إلى أنّ الفريق الفائز لا يحتفل بفوزه كما ينبغي له أن يفعل، ونكاد نغامر بالقول إنّ التفاوض على التشكيل والتأليف كان ليكون في شروط أفضل لو امتلك الطرف الفائز جرأة الإحتفاء بالنتائج بالشكل المستحق. كان ينبغي الردّ السريع، منذ البدء، على منطق "إما المشاركة المطلقة وإما التعطيل التام" بمنطق "لا مشاركة إلا بمناخات لا تعطيلية منذ البدء"، و"لا مشاركة إلا على قاعدة أنها مشاركة بين فريق ربح وفريق خسر الإرادة الشعبية".

بيد أن قلب المشهد السرياليّ ليس هنا، بل في حقيقة ما يخفيه كل هذا الكم من "النزوع الفوضوي" عند "المعارضة". فهذه المعارضة لا تقول "البلد ماشي من غير حكومة" وتكتفي بذلك. ما تقوله هو "البلد ماشي من غير حكومة.. هذا ما لم تقم الحكومة على قاعدة المشاركة التي نفهمها، أي على قاعدة المشاركة كما يمليها المسلّحون على غير المسلّحين، وليس فقط المشاركة بين المسلّحين وغير المسلّحين". هذا هو "التفصيل الصغير" الذي يجعل العارض الفوضويّ عند أهل المعارضة أقرب ما يكون إلى البذرة الفاشية. والحال أنّ مؤرّخين أوروبيين مرموقين أخذوا يتلمّسون منذ عقود الأنساب المشتركة للفكرين الفوضوي والفاشيّ. لعلّ لبنان، وتحديداً معسكر الممانعة فيه، هو أرض خصبة لتلمّس حقيقة كيف تخفي القشرة الفوضوية اللبّ الفاشيّ. وهذا تحديداً ما ينبغي على جمهور الإستقلال أن يظلّ يعيه أياً كانت الظروف، معتدلة أو متأزمة: موقف الفريق الآخر من "الدولة" ومن "الدستور" ومن "المؤسسات" ومن ضمنها "الحكومة" هو موقف فوضويّ من حيث الظاهر، وفاشيّ إلى حد كبير من حيث المضمون. ذلك أن قسمة المجتمع اللبناني بين غير مسلّحين ينبغي أن يخضعوا للمسلّحين، وبين طبقة وسطى غير مسلّحة ينبغي أن تخضع لـ"طبقة وسطى مسلّحة" هي عينها القسمة الفاشية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل