يوم "إيران" العالمي…
بصرف النظر عن عنوان "القدس" الذي يدغدغ مشاعر المسلمين منذ سقوطها في القرن الماضي في هزيمة العام 1967، والذي "استغلته" إيران واستظلّته من دون دفع أية تكلفة عملية في سبيل القدس، فيما أهلها وأبناؤها المؤمنون المرابطون، حراس المسجد الأقصى وقبة الصخرة ومسرى نبينا صلى الله عليه وسلم، وكنيستي المهد والقيامة المقدستين بروح الله وكلمته السيد المسيح (عليه السلام)، بالأمس شاهدنا أبناء القدس الشريف الأبرار يحيون ليلة القدر ويضيئون قناديل الأقصى ويملأون ساحاته، على رغم أنف العدو الإسرائيلي ما زالت المآذن تصدح بالتكبير، وأجراس بيت لحم تقرع…
لا أعباء دموية ولا مادية حتى، تكلفتها ولا تكبدتها إيران من أجل القدس، سوى هذه اليافطات والإعلانات وخطابات "الحكي" الذي ليس عليه جمرك، وتسيير التظاهرات، وشعار "إننا قادمون"، وأولى القبلتين وثالث الحرمين أعزّ وأجلّ وأكبر وأطهر من كلّ "مهازل" الاستغلال السياسي والمذهبي هذه، عملياً "يوم القدس العالمي" الذي سارعت إيران، منذ قيام نظامها المهدد حالياً بالانهيار ما لم تنتج القنبلة النووية، إلى رفعه كان غطاءً لمحاولات فرض سيطرتها على العالم العربي عبر ما أسمته يومها تصدير الثورة، والذي لم توفر فيه حتى مناسك وشعائر الحج وحرمة المسجد الحرام الآمن، ولا حرمة الحرم المدني المطهر، ولا تربة البقيع وأهله، فاجتهدت في إحداث بلبلة وشغب خلال مواسم حج المسلمين إلى بيت الله الحرام، ومع هذا باءت كل محاولاتها بالفشل!!
ويا ليت العرب كانوا جديين وأصحاب "نخوة" في موضوع القدس الشريف، ليطالبوا ومن على منبر الأمم المتحدة بحقّ المسلمين والمسيحيين العرب بالقيام بشعائرهم المقدسة، فأتاحوا لنا شدّ الرحال إلى المسجد الأقصى، لكانوا قلعوا عين العدو الإسرائيلي، ولما أضاعوا وقتهم في الرفض الكلامي لتهويد القدس، فالنبي الأكرم (ص) أمرنا بشد الرحال إلى المسجد الأقصى، فيما الأنظمة العربية متخاذلة ولا تطالب بحقّ المسلمين في تنفيذ أمر نبوي قد يحمي القدس أكثر بكثير من كلّ مفاوضاتهم الفاشلة مع عدو متغطرس، يسعى بشراسة لإزالة المسجد الأقصى حتى يبطل حقنا في شدّ الرحال إليه.. فيما عمائم المسلمين من "أتخن لفّة إلى أهزلها" مشغولة بجريانات الفتاوى، والتأكيد لنا أن القدس "عربية"!!
اليوم الجمعة ليس "يوم القدس العالمي" في إيران، فإنّ "طابخ السمّ ذائقه" وها هو النظام الإيراني يتحضر ليشرب اليوم من نفس كأس الاضطراب والبلبلة التي عمّمها على دول كثيرة.. بالأمس قرأنا عجباً في بيان صادر عن "الباسيج الإيراني"، هي لغة سمعنا مثلها في لبنان، واتهم بنفس تهمها أكثر من نصف الشعب اللبناني لأنه رفض الانصياع لتخويف وتهديد "النسخة اللبنانية المنقحة" من الباسيج الإيراني!!
بالأمس وفي بيان له، حذر الحرس الثوري الإيراني الذي قرر وضع يده علناً على إيران، ونزع حجاب "العباءات والعمامات" الذي اختبأ خلفه طويلاً، ليظهر الوجه المخابراتي الحقيقي لنظام تعسفي ديكتاتوري استفاد من "الدين" ومظلته، ومن عباءة "مراجع قم" طويلاً وها قد حان الوقت لوضعهم على رفّ "الديكتاتورية".. فقد حذر الحرس الثوري الإيراني من أنه سيقمع أية تظاهرة لمعارضي الرئيس محمود أحمدي نجاد بمناسبة يوم القدس.. اليوم الجمعة على ما ذكرت وكالة الأنباء الإيرانية، وفي البيان استخدم الحرس الثوري نبرة التحذير والتخوين والعمالة: "إننا نحذر الشعب والحركات التي تريد مساعدة النظام الصهيوني من أنها إذا أرادت إثارة القلاقل والاضطرابات أثناء تجمع يوم القدس المجيد، فإنهم سيواجهون بشكل حاسم من قبل أبناء إيران البواسل"!!
المخيف في نصّ البيان أنه يوجّه تحذيراً الى الشعب الإيراني الذي يسعى الى التعبير عن رأيه بديموقراطية، فإيران تصفق مثلاً وتدعم تظاهرة للمعارضة في بيروت لإسقاط حكومة شرعية، وتتشدق المعارضة بأن هذا "سلوك ديموقراطي"، وتتحمّس لفلتان التظاهرات وتتمنّاه في مصر مثلاً، فيما تعتبر السلوك الديموقراطي نفسه في إيران بعد "ملحمة الديموقراطية التاريخية" – عن جدّ ملحمة – التي يصفها كثيرون من الإيرانيين بأنها "سرقة لأصواتهم"، تصبح التظاهرات عمالة للنظام الصهيوني، هل هناك "شيزوفرانيا" سياسية أكثر من هذا، دولة تدعي أنها تدعم ثورات العالم وتظاهراتها، وتحذر شعبها من التظاهر وتتهمه بالعمالة؟!
والمضحك المبكي وسط هذه التهديدات العنيفة، أن يخاطب مرشد الجمهورية الشعب مطالباً الإيرانيين: "بالامتناع عن جعل هذه المناسبة فرصة لأمر آخر غير دعم الفلسطينيين"، فكيف يُطلب من شعب أن ينتصر لشعب آخر فيما هو يواجه التهديد والتخوين والسجون والتعذيب ؟!
اليوم، "يوم المشهد الإيراني العالمي"، يوم يرهن فيه مصير شعب ودولة ونظام من أجل شخص واحد هو "محمود أحمدي نجاد" – جبران باسيل إيران – قد نستطيع الآن أن نفهم من أين جاء ميشال عون بوقاحة التمسك بتوزير صهره "جبران باسيل مشائي"، وزير "فساد الخلوي" الذي بدأت تتكشف فضائحه وتفوح روائحها الأشرف، والمستور منها قد يكون أعظم بكثير من المكشوف، ولكن: "من عاشر القوم أربعين يوماً"، وقد عاشر تلامذة نجاد في لبنان و"عيّنات" مصغّرة عنه، وهم يستميتون ليثبتوا لأولياء الأمر في إيران أنهم إيرانيون أكثر من الشعب الإيراني نفسه….
إنها دورة الزمن على الأنظمة، لا بدّ أن تذوق من نفس الكأس التي اخترعتها لبلبلة أنظمة الدول الأخرى.. اليوم المشهد إيراني بامتياز، وهو يوم قد يكون مفصلياً على عتبة تشرين الأول الذي تتمنى إيران أن تذهب إليه بدماء شعوب أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان، وأفواه الإيرانيين مكمومة، لا تصدح على مرأى من العالم..
في زمن لم يكن العالم قد عرف فيه بعد جنون وسرعة التكنولوجيا التي تحاصرنا اليوم، لطالما انتصرت ثورات الشعوب، حتى في عزّ إجرام "السافاك" وعنجهيه الشاهنشاه محمد رضا بهلوي انتصر الشعب الإيراني، اليوم أيضاً على رغم كل التهديدات والتخوين والاتهامات للشعب الإيراني قد ينتصر صوت الشعب الإيراني، وفي التاريخ حكمة أن كلّ ظلم واضطهاد وعنف يزيد نيران ثورات الشعوب حطباً..