#adsense

“ام الصبي”

حجم الخط

"ام الصبي"

… تحضرني حادثة مروية عن امرأتين، ادعت كل منهما أمومة صبي، وحار الناس فيهما، حتى وصل الامر الى مسامع الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقام باستدعاء الامرأتين والصبي، وسمع من كل منهما إصرارها على موقفها، فما كان منه إلا أن قال "لنقطع الصبي نصفين بحد السيف، ولتأخذ كل منكما نصفاً".. وعلى الفور صرخت إحداهما بألم لا تفعلوا، ولتأخذ الامرأة الاخرى الصبي، هنا أدرك الخليفة العادل أنها ام الصبي، فحكم بتسليمها ولدها مؤنباً المرأة الاخرى على كذبها وزيف ادعائها.

.. أسرد هذه الحادثة لأؤكد الدلالة العميقة على موقف ام الصبي، وتضحيتها بأمومتها من أجل ابنها حتى لا يصاب بسوء، وهذا هو موقف الاكثرية في هذه الآونة، ولا نقول هذا من موقع المغالاة، فالشواهد كثيرة على ذلك.

… وفي هذا المعنى، فإن اعتدال وانفتاح الرئيس المكلف سعد الحريري، وربما تنازله في التشكيلة الحكومية الاولى، ثم استعداده مرة اخرى للقبول بمشاركة الجميع، ليس خوفاً أو وجلاً، بل لانه "ام الصبي"، والذي يريد بصورة أو بأخرى سلامة لبنان واستقراره وتقدمه، ومن هذا المنطلق لم تكن الاكثرية على استعداد للتخلي عن الشيعة في لبنان، باعتبارها إحدى الطوائف المكونة لهذا البلد، وإذا كانت الكتلة النيابية الشيعية لم تسم سعد الحريري اثناء الاستشارات فهذا موقف سياسي محكوم بظروف يعرفها القاصي والداني، وهو موقف يندرج في إطار المعارضة التي لا تزال تربط مواقفها بملفات إقليمية، ولكن مع ذلك، فإن ميثاقية رئيس الحكومة المكلف الوطنية تجعله دائماً من الحرصاء على صورة التعددية في لبنان، وعلى مشاركة الشيعة، كما كل الطوائف والمذاهب.

… نحن بالطبع، وإن استعملنا المصطلحات المذهبية، فإننا من أشد المتمسكين بواجب احترام الطوائف والمذاهب على اختلافها، على قاعدة أن الدين & والوطن للجميع، وهذا يجعلنا على ثقة تامة بأن أي موقف سياسي ليس موقفاً لمذهب أو لطائفة، بل لفريق سياسي له توجهاته.

… إن الاكثرية أكدت مراراً وتكراراً ايمانها بالتعددية، ولم تتخذ موقفاً من مذهب أو آخر، وهي في النتيجة أكثرية تضم كل مكونات لبنان، وبينهم شيعة وسنة وموارنة وأرثوذكس وكاثوليك وأرمن، وكل الطوائف.

.. إن "ام الصبي"، وهي الاكثرية ضحت حتى بالارواح من أجل لبنان، وعانت ما عانته من أجل سيادة وحرية واستقلال هذا البلد، واستدراكاً، فإن الرئيس سعد الحريري عندما أيّد انتخاب الرئيس نبيه بري رئيساً لمجلس النواب لم يضع شروطاً على الاطلاق، لأن همّه كان الوحدة الوطنية، ولا يجوز في الوقت عينه أن يضع أحد عليه شروطاً في سياق عمله لتشكيل الحكومة، وهو "ام الصبي" شاء من شاء وأبى من أبى.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل