قَبْرَصَة أم بلقنة ؟
مطلع خريف 1974 عاد العميد ريمون إدّه من زيارة "استطلاعية" لباريس، حاملاً هدايا مختلفة في الشكل والمضمون عما تعوّده الأَصدقاء القريبون من ذلك الرجل الذي ترك بصماته المميَّزة على كل ما ميَّز لبنان في تلك الحقبة.
وقبل أن يستريح ويتصل ببعض من الاصدقاء على جاري عادته، كانت له تعريجة عاجلة على مبنى "النهار" القريب من منزله ومن قلبه، والذي له فيه وعند أهله ما ليس لسواه من سائر السياسيّين.
لاقيناه بالأهلا وسهلاً.
وبعد الحمد لله على السلامة كان السؤال الذي لا بدَّ منه: ماذا حملت لنا من مربط خيلنا؟
قال: عندي تصريح مستعجل ومهم.
خير؟
قال: اكتب.
كتبنا…
وفي اليوم التالي كان العميد يتصدَّر المانشيت الرئيسيّة في "النهار"، محذراً من قبرصة لبنان، ومنبٍّها الى ان ثمة خطة تحاك في مكان ما، هدفها الأساسي تقسيم لبنان. مع اعطاء دور أساسي لياسر عرفات ومقاومته.
كانت الثورة الفلسطينيَّة في ذلك الحين تبسط وجودها المسلَّح ونفوذها على ثلاثة أرباع العشرة آلاف والاربعمئة والاثنين والخمسين كيلومتراً مربعاً.
وكانت قبرص خارجة لتوٍّها من انقلاب فاشل على ثائرها الاول المطران مكاريوس، ومن شبه ثورة أهلية سريعة انتهت بتقسيم الجزيرة التي "عيَّنها" الزعيم انطون سعادة نجمة للهلال الخصيب:
قسم مسيحي بمظلة يونانية.
وقسم اسلامي بغطاء تركي.
ولا تزال الجزيرة الجميلة على انقسامها حتى يومنا هذا. وقد لا تعود أبداً واحدة موحّدة.
لكنَّ السياسيّين والمسؤولين ورؤساء الأحزاب والزعماء والمتزعمين واولئك الذين "زعّمتهم" منظمة التحرير على حين غرة، تعاملوا جميعهم مع تحذيرات اده بغير ما تستحق من الاهتمام.
فكان ما كان من حروب الآخرين، والاجتياحات، والغزوات والوصايات، والذيول الفادحة والقاسية التي لا يزال لبنان يدفع فواتيرها الباهظة، ويئن من وطأتها وأضرارها حتى الساعة.
وربما حتى قيام الساعة.
اليوم يبدو لبنان مرة أخرى في بوز المدفع، فيما تندفع التطورات والسلبيّات الى المنطقة كأنها على شفير انفجار كبير. هنا، أو هناك، أو هنالك.
وفيما يعود البعض الى تحذيرنا من احتمالات عودة البلقنة في شكل أو في آخر، بعدما شَهَر بنيامين نتنياهو التحدّي في وجه أميركا والرئيس باراك أوباما والمجتمع الدولي والشرعية الدوليّة، مصراً على نشر المستوطنات في القدس الشرقية والضفة الغربيَّة.
وبعد تأجيج الصراع في اليمن وعلى الحدود السعودية، وتصعيد الموقف الخلافي بين بغداد ودمشق، واختلاط الحابل بالنابل في ايران: بين مواجهات داخلية تستهدف النظام، ومواجهات مع أميركا واوروبا تستهدف التجارب النووية.
مما وضع المنطقة بأسرها في سباق بين الانفراج والانفجار.
ومما جعل لبنان في وضع لا يحسد عليه، عاجزاً حتى عن تأليف حكومة جديدة. في ظل تجاذبات اقليميَّة أجّجتها عودة المحكمة الخاصة بلبنان الى الواجهة، وبقوة. وبلسان المدعي العام دانيال بلمار.
فأيهما أقرب الى وضع المنطقة: البلقنة أم القبرصة؟