إذا لم يتمّ التوصّل إلى إنهاء الأزمة الوزارية بالحوار
هل ينتظر الحل حدثاً داخلياً أم تدخلاً خارجياً ؟
لا شيء في الأفق يدل حتى الآن الى ان الخروج من الازمة الوزارية المستعصية ممكن لا بالحوار ولا بغيره لان من يدير هذه الازمة ليس الداخل اللبناني وحده انما الخارج الذي يلعب على التناقضات خدمة لمصالحه في المنطقة.
فلا ايران تساعد على حلحلة العقد ما لم يتم التوصل الى حل لملفها النووي ولا سوريا تساعد ايضا على ذلك ما لم تطمئن الى مسار المحكمة ذات الطابع الدولي وتعرف ما في القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه قبل ان يصدر. وما دامت ايران لا تخشى العقوبات التي يهددها بها المجتمع الدولي مهما تكن قاسية، ويخشى هذا المجتمع من جهة تداعيات توجيه ضربة عسكرية اليها في المنطقة، فانها لن تغير سلوكها حيال لبنان والعراق وافغانستان وفلسطين المحتلة، وما دامت سوريا واثقة من ان نظامها باق ولا يمس، فانها لن تغير سلوكها ايضا لا حيال لبنان ولا حيال العراق وفلسطين.
ويرى مسؤول سابق ان لبنان عندما كان يمر بأزمات سياسية او امنية مستعصية، كان الخارج يتدخل لحسمها لمصلحة هذا الطرف اللبناني او ذاك بعدما يعجز عن ذلك. ففي العام 1943 كان اللبنانيون منقسمين بين مؤيد لفرنسا ومؤيد لبريطانيا ولو لم يهدد المفوض السامي البريطاني الجنرال سبيرس المفوض السامي الفرنسي جان هللو بارسال قوة من الجيش البريطاني الى بيروت اذا لم يطلق الزعماء اللبنانيين المعتقلين في قلعة راشيا، لظلوا ربما معتقلين ولما كانت صورة الوضع في لبنان قد تغيرت لمصلحة الاستقلاليين الا بعد نضال طويل.
وعندما تم تزوير الانتخابات النيابية في 25 ايار 1947 من اجل التجديد للرئيس الشيخ بشارة الخوري، فليست "الجبهة الاشتراكية الوطنية" وحدها هي التي استطاعت ان تطيح عهده بعد مرور ما يقارب السنتين على الولاية المجددة لو لم تكن بريطانيا مساندة للتحرك الشعبي الواسع وللاضراب العام المفتوح الامر الذي جعل الجيش اللبناني يقف على الحياد ولا يقمع هذا التحرك ما جعل الرئيس الشيخ بشارة الخوري يقول عبارته الشهيرة لمستشار السفارة البريطانية في لبنان يومئذ مارون عرب الذي حاول ان يعلمه بان لا علاقة لبريطانيا بما يجري : "الحق مش على الانكليز الحق عالطليان".
وعندما انقسم اللبنانيون بين مؤيد للتيار الناصري ومناهض له، ووقعت احداث 1958 بسبب اتهام المعارضة الرئيس شمعون بالسعي الى تجديد ولايته، وبدعم بالمال والسلاح من مصر وسوريا لكانت المعارضة انتصرت على الموالين للرئيس شمعون لولا تدخل الولايات المتحدة الاميركية وانزال قواتها في بيروت على اثر سقوط "حلف بغداد" فأدى التدخل الخارجي المزدوج الى تحقيق التوازن في المواجهة بين الموالاة والمعارضة فأكمل الرئيس شمعون آخر يوم من ولايته وصار اتفاق على انتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية تحت شعار: "لا غالب ولا مغلوب".
وعندما خاب ظن الولايات المتحدة الاميركية بسياسة الرئيس شهاب التي اعتبرتها اقرب الى فرنسا فانها دعمت "الحلف الثلاثي" في تحركه السياسي والشعبي ضد محاولي التجديد للرئيس شهاب، وكان فوز مرشحي هذا الحلف في الانتخابات النيابية كافيا لوقف محاولات التجديد.
ولو لم تكن سوريا ومعها دول عربية متعاطفة جدا مع التنظيمات الفلسطينية، لما كانت المخيمات تحولت معسكرات وثكنا وقامت حرب السنتين بينها وبين ميليشيات لبنانية. وقيل ان دول الغرب وتحديدا الولايات المتحدة الاميركية كانت تأمل في ان تنتهي الحروب اللبنانية الطويلة بهزيمة المسلحين الفلسطينيين ومن معهم من اللبنانيين، لكن هذه الحروب استمرت ولم يكن فيها غالب ومغلوب سوى لبنان وشعبه المسالم، فكان دخول الجيش السوري الى لبنان بموافقة عربية ودولية وعدم ممانعة اسرائيلية، الذي اوقف الاقتتال في لبنان وأخرج الفلسطينيين المسلحين الى تونس ووضع لبنان تحت الوصاية السورية بموجب "اتفاق الطائف" مدة ثلاثين عاما.
وعندما انقسم اللبنانيون بين مؤيد بقاء الجيش السوري في لبنان ومعارض بقاءه وقفت دول غربية وعربية مع الفئة التي تطالب بانسحاب هذا الجيش تنفيذا لاتفاق الطائف ولقرار مجلس الامن الرقم 1559، وكانت "ثورة الارز" و"انتفاضة الاستقلال" لكنهما لم يكونا كافيين للاستيلاء استيلاء كاملاً على السلطة بحيث يكون غالب ومغلوب، لان ما تبقى من سلطة الوصاية السورية في لبنان استطاع ان يصمد بدعم سوري – ايراني في وجه هذه "الثورة" ويحول دون تمكينها من تحقيق كل اهدافها، فقام صراع بين سلطة جديدة غير مكتملة وسلطة قديمة تشبثت بالبقاء، بحيث استطاع الرئيس اميل لحود اكمال ولايته حتى آخر يوم منها، كما استطاعت الفئة اللبنانية المناوئة لـ"ثورة الارز" تعطيل انتخابات الرئاسة الاولى مدة ستة اشهر، وتعطيل تشكيل حكومة وحدة وطنية باصرار حلفاء سوريا وايران في لبنان على ان يكون لهم فيها "الثلث المعطل" وظل الوضع السياسي متوترا والقوى المتواجهة متوازنة الى ان كانت احداث 7 ايار فاخلت بها وفرضت عقد مؤتمر الدوحة الذي انتهى بالاتفاق على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية وفقا لمحاصصة تم تحديدها واعتماد قانون الـ60 للانتخابات النيابية التي جرت في 7 حزيران 2009 على امل ان يكون الحكم للاكثرية النيابية التي تنبثق منها اذا لم تتوصل الى اتفاق مع الاقلية على تشكيل حكومة وحدة وطنية، وعلى اساس محاصصة جديدة (15+10+5) ورغم مرور ثلاثة اشهر على قيام مجلس النواب الجديد وتجديد انتخاب نبيه بري رئيسا له بدون شروط، فقد واجه تكليف النائب سعد الحريري تشكيل الحكومة شروطا تعجيزية حالت دون تشكيلها فاعتذر، ثم صار تكليفه مرة ثانية ولا احد يعرف اذا كان سيتمكن من تشكيل حكومة واي حكومة ومتى…
واذا بالوضع بعد الانتخابات يعود الى ما كان عليه قبل الانتخابات اي اكثرية لا تستطيع تشكيل حكومة منها، واقلية تعطل تشكيلها اذا لم تحصل على حصتها كاملة وتستجاب شروطها…
واذا كان ثمة توازن سياسي وشعبي بين الاكثرية والاقلية، يحول دون انتصار طرف على آخر، فلا سبيل للخروج من هذا الوضع الشاذ الا بحدث ما يخل بهذا التوازن والسؤال الذي لا جواب عليه ويقلق الناس هو: ما هو هذا الحدث ومن سيقوم به واين؟!