المحاولة الثانية لتشكيل الحكومة فرصة متاحة للخروج من المأزق الحكومي
إبعاد التدخلات الخارجية يُسهّل ولادة الحكومة الجديدة بسرعة
<التعطيل لم يؤدِ الى تغيير موازين القوى التي أفرزتها الإنتخابات بل أعطى مفعولاً عكسياً من خلال إعادة تكريس القوة الجامعة للأكثرية>
تؤشر الملامح الأولى لانطلاق المحاولة الثانية لرئيس الحكومة المكلّف سعدالحريري، لتشكيل الحكومة العتيدة، بعد اعتذاره عن تأليفها في المرحلة الأولى، لاصطدامه بالمطالب والشروط التعجيزية لبعض أطراف الأقلية وتحديداً التيار العوني، الى وجود بوادر إنفتاح من قبل هذه الأطراف لمقاربة مسألة تشكيل الحكومة بمعزل عن وضع الشروط المسبقة أو التشبث بمطالب ثابتة لا عودة عنها، إن كان بالنسبة للحقائب أو الأشخاص المطروحين لتوليها.
ولا شك فإن تكريس هذه الملامح الى وقائع ثابتة مع انطلاق جولة مشاورات الرئيس المكلّف مع سائر الكتل والنواب، يوم الخميس المقبل، ستعطي عملية تشكيل الحكومة الجديدة عوامل دفع قوية، باتجاه الانطلاق في عملية التأليف، وتبدّد أجواء الاحتقان السياسي التي خيّمت على لبنان في الأسابيع الماضية، وتعطي الأمل للبنانيين بإمكانية الخروج من أزمة تأليف الحكومة العتيدة في وقت معقول بالرغم من عدم وجود خطوات فعلية على الأرض من قبل هذه القوى، تصبّ في خانة تسريع ولادة الحكومة العتيدة بسلاسة وأجواء مؤاتية حتى الآن.
وستتيح عطلة العيد فرصة لجميع الأطراف من دون استثناء، لإعادة مراجعة مواقفهم السابقة والتي أدّت الى تعطيل قيام الحكومة الأولى بعد إجراء الانتخابات النيابية، وتقييم الآثار والتداعيات الناجمة عن ذلك وانعكاساتها على كل طرف وعلى لبنان عموماً، لأن من شأن مثل هذه المراجعة، لا سيّما إذا كانت منطقية ومبنيّة على أساس المصلحة العامة، وليس وفقاً للمصالح الخاصة والإقليمية، التي تتحكّم في مواقف بعض هذه الأطراف في معظم الأحيان، الى انتهاج مواقف مغايرة، تأخذ بعين الاعتبار الآثار الإيجابية لتسهيل مهمة الرئيس المكلّف في تشكيل الحكومة الجديدة، ووقف كل محاولات عرقلة وتعطيل قيام مثل هذه الحكومة، لأنه لا يمكن لأي طرف مهما كان قوياً وفاعلاً في الاستمرار بعملية العرقلة لأسباب وحجج واهية لا تُقنع أحداً.
فالتعطيل لم يؤدِ الىتغيير موازين القوى السياسية التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة، أو يُقصي زعيم الغالبية النيابية عن معاودة تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة للمرة الثانية علىالتوالي، وإنما أعطى هذا التعطيل مفعولاً عكسياً من خلال إعادة تكريس القوة النيابية الجامعة للأكثرية تأييدها لترشيح سعد الحريري لرئاسة الحكومة مرة ثانية، في مواجهة توجهات الأقلية بعدم تسميته رئيساً للحكومة، وإظهار الأكثرية بأنها قوة متحدة ومتماسكة مع بعضها البعض، بالرغم من سعي البعض لإظهارها مفككة وضعيفة بعد الانتخابات النيابية.
يضاف الى ذلك أن تشبث الأقلية بمطالبها التعجيزية وشروطها الخيالية، لن يؤدي الى تحسين مواقعها وحصصها في التركيبة الوزارية المنتظرة كما حصل في التشكيلة التي لم تُبصر النور، وإنما قد يؤدي التعطيل الى الإطاحة بالصيغة التي تم التفاهم عليها من قبل والبحث عن صيغة جديدة، قد تحرم الأقلية، مكاسب حصلت عليها، إن كان بالنسبة لشكل التركيبة الحكومية، أو لنوعية الحقائب وتوزيعها على القوى السياسية المشاركة في الحكومة.
فالتعطيل عمداً من قبل الأقلية للصيغة المطروحة، التي تم من خلالها التوزيع الطائفي والمذهبي وإشراك جميع القوى السياسية والتيارات، أعطي مبرراًللأكثرية، لإمكانية طرح صيغ بديلة في المشاورات المرتقبة لتشكيل الحكومة العتيدة بحجة الرفض الذي تمسكت به الأقلية، وإن كان ذلك مستبعداً ولكنه ليس مستحيلاً.
قد تكون مراجعة ما تخلل طرح الصيغة الحكومية التي لم تُبصر النور مفيداً، لتفادي كل ما أدّى الى عدم قيام الحكومة حتى الآن، ولكن هذا إذا كان خارجاً عن التدخلات الخارجية التي تكشف عن نفسها بدون خجل أو مواربة، وفي حال استمرارها على هذا النحو وبتسهيل من بعض الأطراف المعروفين في الأقلية، لحسابات الملفات الإقليمية، إن كان في الملف النووي أو غيره، فإن الأزمة الحكومية ستطول.